الشخصية وأثار العولمة- يونس لقرع
الأستاذ:يونس لقرع
الشخصية وآثار العولمة
رغم الصعوبة التي تعترض فهم
الشخصية وتفسيرها يمكن القول بأنها ذلك البناء الخاص بصفات الفرد وأنماط سلوكه
الذي من شأنه أن يحدد لنا طريقته المتفردة في تكيفه مع بيئته،كما نرى التأثير
الأكبر للعوامل المكتسبة أو العوامل الثقافية، ومن هنا يكمن التأثير الذي قد تحدثه
العولمة على الشخصية.
والعولمة ظاهرة قديمة وحديثة شديدة الغموض وصعبة التحديد،
لازمت الحضارة الإنسانية منذ نشأتها،بل إنها البعد الأساسي لها، حيث إن الحضارة تأخذ ميزتها من خلال التوسع
والانتشار، وقد دعا الإسلام لها عندما ألغى الحدود الجغ ارفية والسياسية
والجنسية والطبقية والفروق الفردية، وان
اعتبر البعض أنه يجب التفريق بين" العولمة"
و"العالمية"،حيث أن المعنى الذي يدعو له الإسلام هو
"العالمية" وهو مفهوم إيجابي يتلاءم مع الطبيعة الإنسانية المبنية على
الاتفاق في المبادئ والقيم كالخير ونبذ الظلم ونصرة الضعيف، والإيمان بحق الاختلاف
في قضايا أخرى كالدين والعرق والخصوصيات الثقافية بصورة عامة،أما العولمة فهي
مفهوم سلبي يعمل على إشاعة نمط ثقافي خاص وفرضه بأساليب معينة على شعوب العالم.
وتتمثل خطورة العولمة في إ
ازلة خصوصية الشعوب بزعزعة قيمها ومبادئها ومقدساتها وأنماط حياتها وسنوضح النقاط
التي أثرت بها العولمة أوقد تؤثر بها على الشخصية أيا كانت تلك الشخصية.
3- لقد هدم التلفزيون حياة الناس وخصوصا الأطفال
فانصرفوا له كليا،على حساب وسائل التعليم الأخرى،
ونجم عن ذلك آثار تربوية وجسدية ونفسية في شخصية الطفل منها إهماله واجباته
المدرسية والحد من لعبه وحركاته ونشاطه وعلاقاته الاجتماعية وما يشاهده من مناظر
عنيفة تؤثر على سلوكه القويم،وتنمي لديه ثقافة جديدة مغايرة لثقافته الأصلية مما
قد ينتج عنه "صدام حضاري" يصعب عليه مواجهته ويؤثر على بنية شخصيته
الضعيفة،أما الكبار فقد أصبح بالنسبة لهم أداة تحد من التواصل بين أف ارد الأسرة
وضعف الحوار بينهم، وتغيير بعض السلوكيات لديهم، هذا مع العلم أن الإعلام كله يكون
تابعا للجهة التي تستخدمه لأغ ارضها،ومن ثم فالجانب السلبي ليس متأصلا فيه وانما يتعلق الأمر بتوظيفه.
2-
وبسبب التلفزيون والإنترنت ووسائل الاتصال الأخرى أو ما يطلق عليه "القرية
العالمية"، حدثت تغيي ارت كبيرة أثرت
سلبا على شخصية الأف ارد ومنها:
-
تمزق الكثير من الأنسجة
الاجتماعية واختلال الروابط الأسرية، ومروق الشباب وتمردهم على ضوابط الأسرة وقيم
المجتمع.
-
تردي علاقة الآباء بالأبناء
وانصرافهم عن دورهم التربوي – وفي بعض الأحيان الرعاية الاجتماعية- واستغناء
الأبناء عن الحاجة إلى أولياء الأمور تحت عنوان الاستقلالية وبناء الذات.
-
تهديد النظام الأخلاقي بحيث
يروج للشذوذ الجنسي في العالم، أو استحداث جنس جديد ليس الذكر أو الأنثى وهو ما
يطلق عليه مفهوم "الجندر" والذي تعرفه الموسوعة البريطانية :<<
أنه تقبل الفرد لذاته وتعريفنفسه كشيء متميز عن جنسه البيولوجي نفسه».
-
تقوية النزعة الأنانية لدى
الفرد وتعميق مفهوم الحرية الشخصية في العلاقات الاجتماعية وعلاقة الرجل بالم أرة،
وهذا ما يؤدي إلى التساهل مع الميول والرغبات الجنسية والتحلل من كل قيم الحياء
والك ارمة والإيثار والفطرة الإنسانية.
-
تسعى العولمة إلى
تعميم السياسات المتعلقة بالم أرة والطفل والأسرة بدون م ارعاة الخصوصيات الثقافية
للمجتمعات البشرية.
-
الفرد هو الأساس ومعالجة
رغباته هي المعيار لا الدين ولا الأمة والعائلة ولا التقاليد ولا العرف، ومن حق الفرد التخلص من القيود التي تفرض عليه من
جانب تلك الجهات.
5-
وتؤدي العوامل السابقة إلى طمس هويات الشعوب في هوية واحدة،أو ما يطلق عليها
"الشخصية العالمية"الذي يرى فيها البعض حلا لما يعانيه العالم اليوم من
عنصرية وحروب وتفاوت طبقي حيث يقصد هنا «التفاعل العالمي والتوحد وليس العزلة ونشر
التقنية والمعارف العلمية، والقضاء على الفقر والأوبئة والن ازعات،كل ذلك بخلق
شخصية قادرة على استيعاب هذا التفاعل مقابل التنازل عن ما هو متميز بين أف ارد
المجموعة العالمية».
ويمكن تلخيص آثار العولمة في
الأمور التالية:
- أخذ الأشياء المادية والصناعية والحربية أخذا استهلاكيا
- أخذ العادات المادية كأشكال اللباس والأثاث والطعام
- أخذ القيم والمقاييس الاجتماعية والخلقية
- أخذ العقائد والتصوارت فتكون قد ذابت وانمحت شخصيتها الأساسية.
إن آثار العولمة على الشخصية
قد لا تكون سلبية في عمومها ،لكن الأخطر فيها هو تجاهلها عن قصد أو غير قصد
للعوامل الثقافية المكونة للشخصية، والتي تبلورت في أساسها من قيم مجتمعها وتعاليمه الدينية والاجتماعية، الشيء الذي قد لا
تقبله تلك الشخصية التي تربت على ثقافة معينة وليس من السهل تنازلها عنها.
واضح أن العولمة تركز على
الشخصية سواء في بعدها الفردي أو
الاجتماعي، وهي لا محالة تتأثر في أدنى م ارحلها بمركز البث والاشعاع )مركز القوة(
والأض ارر بالتالي ستتأثر منها الأط ارف )مركز الضعف(، منها تأتي الخطورة خصوصا
عندما يكون "القوي" متجاهلا لمكونات الشخصية الإنسانية وممي ازتها.
إن أخطار العولمة ليست
خاصة بثقافة معينة وان اختلفت تأثي ارتها
لدى من يمتلك ثقافة غنية وقادرة على بناء ذاتها كالثقافة الإسلامية، بل تتعدى ذلك
إلى الوجود الإنساني نفسه، فالفطرة الإنسانية مبنية على البحثعن الفضيلة وقيم
الخير وعلى فكرة الجنسين الذكر والأنثى، والشخصية البشرية تتكون من العوامل
الاجتماعية وحتى تلك الو راثية تتحدد من
خلال )التكونة( الاجتماعية، فلا يمكن تصور حياة اجتماعية دون قيم متعارف عليها،
ومن هنا يكون أثر العولمة مهددا لمستقبل البشرية كلها،فكيف نتصور مجتمعا بشريا
بدون ذكر أو أنثى؟ وكيف نتجاهل الخصوصيات الثقافية للشخصية؟ وكيف يتم التعامل على
أساس إقصاء الآخر؟ وكيف يقبل العقل الإنساني التعايش على أساس المصالح الخاصة
بمجتمع معين؟ بل كيف يفهم أن تكون المقاومة إرهابا؟ أو يأتي شعب ليحتل شعبا
آخر تحت ارية الحرية وعولمة القيم الإنسانية؟!.
إن الداعين إلى العولمة
الايجابية لا بد أن يدرسوا الشخصيات
الثقافية دراسة موضوعية آخذين بعين الاعتبار الفروق الثقافية والمصلحة الإنسانية
التي يحتاجها الجميع، بدل إذكاء النزاعات الحضارية والحروب، فالحضا ارت لم تبنى
إلا عندما فهمت أن الإنسان كائن أخلاقي واجتماعي بالدرجة الأولى، وأن المعاني
الإنسانية هي التي تميزه عن غيره من الكائنات.
