تصور ابن رشد لحرية الإنسان
الإنسان بين الحرية والضرورة
تمهيد:
يتخذ )ابن رشد( موقفا فلسفيا
طريفا من مشكلة القضاء والقدر، إذ يعتبر أن دلالة التسيير والتخيير دلالة جمع لا
دلالة تفرقة، وأن الأعمال الإنسانية تتم بالتخيير والتسيير معا، لأن مردها إل إرادة حرة من جهة وإل أسباب طبيعية من جهة أخرى. وهذه الأسباب لا تقف
عند العلل الخارجية ،بل تتمثل أيضا في النوازع الداخلية، وبتعبير آخر، لا يرى ابن
رشد تعارضا بين الحرية والضرورة بل توافقا جوهريا، متجاوزا بذلك القضية التي أدت
في العصر الوسيط إل خصومات وتناقضات
مذهبية وفلسفية حول مسألة الجبر والاختيار، ولعل النتائج التي وصل إليها )ابن رشد(
في نفي التعارض بين الحرية والضرورة تقترب كثيرا من الحلول التي وصل إليها بعض
الفلاسفة المحدثين.
ــــــــــــــ
يظهر أن الله تبارك وتعال قد خلق لنا قوى نقدر بها أن نكتسب أشياء هي
أضداد، لكن لما كان الاكتساب لتلك الأشياء ليس يتم لنا إلا بمواتاة الأسباب التي
سخرها الله لنا من خارج ،وزوال العوائق عنها، كانت الأفعال المنسوبة إلينا تتم
بالأمرين جميعا. وإذا كان كذلك فالأفعال المنسوبة إلينا أيضا يتم فعلها بإرادتنا
وموافقة الأفعال التي من خارج لها، وهي المعبر عنها بقدرة الله. وهذه الأسباب التي
سخرها الله من خارج ليست هي متمة للأفعال التي نروم فعلها أو عائقة عنها فقط بل هي
السبب في أن نريد أحد التقابلين. فإن الإرادة إنما هي شوق يحدث لنا عن تخيل ما، أو
تصديق بشيء، وهذا التصديق ليس هو إلا اختيارنا، بل هو شيء يعرض لنا عن الأمور التي
من خارج. مثال ذلك أنه إذا ورد علينا أمر مشته
من خارج اشتهيناه بالضرورة من غير اختيار، وكذلك إذ طرأ علينا أمر مهروب
عنه من خارج كرهناه باضطرار فهربنا منه وإذا كان هكذا فإرادتنا محفوظة بالأمور
التي من خارج ومربوطة بها.
وكل مسبب يكون عن أسباب محدودة
مقدرة، فهو ضرورة محدود مقدر، وليس يلغي هذا الارتباط بين أفعالنا والأسباب التي
من خارج فقط ،وبينها وبين الأسباب التي خلقها الله تعال في داخل أبداننا، والنظام المحدود الذي في
الأسباب الداخلة والخارجة، أعني التي لا تخل، وهو القضاء والقدر الذي كتبه الله
تعال عل
عباده .
وإذا كان هذا كله، كما وصفنا،
فقد تبين لك كيف لنا اكتساب وكيف جميع مكتسباتنا بقضاء وبقدر سابق. وهذا الجمع هو
الذي قصده المشرع بتلك الآيات العامة والأحاديث التي يظن بها التعارض وهي إذا خصصت
عمومتها بهذا المعن انتف عنها التعارض وبهذا أيضا تنحل جميع الشكوك التي
قيلت في ذلك، أعني الحجج المتعارضة العقلية، أعني أن كون الأشياء الموجودة عن
إرادتنا يتم وجودها بالأمرين جميعا، أعني بإرادتنا وبالأسباب التي من خارج، فإذا
نسبت الأفعال إل واحد من هذين عل الإطلاق، لحقت الشكوك المتقدمة.
ابن رشد )مناهج الأدلة(