ما الإنسان؟-انطونيو غرامشي
ما الإنسان
تمهيد:
إن السؤال: ما هو الإنسان؟
"يطرح إشكالية جوهرية" عل
الصعيدين: الفلسفي والعلمي، ذلك أن الإنسان كموضوع يختلف جذريا عن باقي
الموضوعات المادية الأخرى. لذا فالإشكال الذي يطرحه السؤال هو: هل يخضع الإنسان
للتحديد العلمي؟ هل يمكن التعامل معه بنفس الوسائل المستخدمة في المجال الطبيعي؟
ــــــــــــــ
إن السؤال عن الإنسان: ما هو؟ هو السؤال الأول
والأساسي في الفلسفة. فكيف يمكننا الجواب عل
هذا السؤال؟ نستطيع أن نجد )تعريف( الإنسان في الإنسان نفسه، أي في كل فرد،
فهل هذا الحد حد صحيح؟ إننا نستطيع أن نجد في كل )فرد جزئي( ما هو في كل
"فرد" )بصفة عامة(.
ولكن ما يهمنا ليس الإنسان الجزئي وإن كان المقصود بذلك
ما هو كل إنسان جزئي في كل آن؟ ... إذا
أمعنا النظر في ذلك رأينا أننا عندما نسال: ما هو الإنسان؟ فنحن إنما نريد أن
نقول: ماذا يمكن أن يصير الإنسان؟ أي هل يستطيع الإنسان أن يسيطر عل مصيره الخاص؟ هل يستطيع أن يصنع وأن يخلق
حياته؟ لنقل إذن إن الإنسان هو حركة أفعاله بالضبط. وإذا فكرنا في الأمر رأينا أن
سؤالنا عن الإنسان: ما هو؟ ليس سؤالا "مجردا" وموضوعيا "وإنما سؤال
متولد من تفكيرنا في ذاتنا وفي الآخرين، ومما نريد أن نعرف ،تبعا لتغيرات تفكيرنا.
ومما شاهدناه، وما نحن وكيف نصير، وذلك لنعرف في الحقيقة، وضمن أية حدود. نحن
صانعو "ذواتنا" وصانعو حياتنا ومصيرنا. وهذا )كله( نريد أن نعرفه
"اليوم" في شروط متوافرة لنا في الحياة الحاضرة )...(.
يجب
أن نتصور الإنسان من جهة ما هو سلسلة من علاقات فاعلة
)وهي
عملية وإن كان فيها للفردية أهمية كبيرة فإنها ليست مع ذلك العنصر الوحيد الذي يجب
الأخذ به(. لأن الإنسانية المرتسمة في كل فردية مؤلفة من عناصر مختلفة وهي:
1 – الفرد
2 – الأناس الآخرون
3 – الطبيعة.
ولكن كلا من العنصر الثاني والعنصر الثالث ليس
عل ما يبدو من البساطة. فعلاقة الفرد
بالآخرين ليست علاقة تجاوز وإنما هي علاقة عضوية، بمعن أن الفرد يتكامل بانضمامه إل كائنات عضوية، تذهب من أبسط الأشكال إل أكثرها تعقيدا.
وهكذا لا تقوم علاقة الإنسان بالطبيعة عل مجرد كونه هو أيضا طبيعة، بل تقوم عل كونه فاعلا وصانعا. أضف إل ذلك: أن تلك العلاقات ليست آلية ،وإنما هي
فاعلة وواعية أي متناسبة مع درجة فهم كل إنسان لها. ولذا فيمكن القول: إن كل واحد
يغير ذاته ويبدلها بقد رما يغير أو يبدل العلاقات المركبة التي شغل منها مركز
الارتباط )...(.
وإذا كانت فرديتنا جملة تلك العلاقات، فإن إبداع الشخصية
يدل عل اكتساب الشعور بتلك العلاقات.
ومعن تغييرنا لشخصياتنا الخاصة هو تغيير
مجموع تلك العلاقات.
غرا مشي ، من كتاب غرا مشي
دراسة ومختارات، منشورات وزارة الثقافة
دمشق 3372، ص 380-386
