العلاقة بين الفلسفة والعلم
الأستاذ:يونس لقرع
الفلسفة والعلم
شكلت العلاقة بين الفلسفة والعلم إحدى
الإشكاليات التي استوقفت الفلاسفة والعلماء عل
حد سواء وقد زاد من حدة حالة الاستقطاب هذه طبيعة التحولات التي شهد العلم
بمختلف فروعه مما جعل بعض العلماء يسع بكل
أدواته إل إعلان انفصال العلم عن الفلسفة والخروج
من عباءتها رغم العلاقة الحميمة بين الإثنين، إذا الفلسفة قديما تشمل كل المعارف
الإنسانية بل إنها كانت تسم أم العلوم.
والفلسفة والعلم لهما نفس الغاية
ويتوكئان عل نفس المبدأ وهو حب الحقيقة
فما الصلة بين الفلسفة والعلم وما وجه الاختلاف والالتقاء بينهما؟ وهل العلاقة
القائمة بينهما علاقة تكامل أم إقصاء.
1 - الاتصال:
ا
– تصور القدماء: الفلسفة كوحدة للعلوم
ينظر القدماء إل الفلسفة نظرة معيارية تفضيلية معتقدين أنها
العلم الأسم وذلك لطابعها الشمولي من حيث
إنها هي المتضمنة لمبادئ وغايات كل العلوم.
ويمكن أن نجد لدى أرسطو إشارات واضحة
إل أن الفلسفة هي العلم المهيمن وهو الذي
يقر في كتابه ما بعد الطبيعة بوجود علم مهيمن وعلم تابع.
وفي ترتيبه للعلوم يميز زعيم المشائية بين فلسفة أول وهي ما يعبر عنه بالميتافيزيقا، أو ما بعد
الطبيعة وفلسفة أخرى ليست سوى علوم طبيعية ،فالفلسفة الأول هي المهيمنة والعلوم الأخرى هي التابعة.
ولعل أهم ما تتميز به الفلسفة "كأم
للعلوم" عند أرسطو هو طابعها الشمولي فهي تتناول الوجود في كليته أما العلم
فيدرس موضوعات جزئية كالجسم والذرة. فالجزئيات التي يتمحور حولها العلم منضوية تحت
الكليات في الفلسفة. وهو ما قاد أرسطو إل
تعريف الفيلسوف بأنه هو "الذي يعرف كل العلوم قدر الإمكان"
ب
– تصور المحدثين: ديكارت
في كتاب "المبادئ" تبدو
الفلسفة عند ديكارت إطارا يشمل كل العلوم حيث يقول: "الفلسفة شجرة جذورها
الميتافيزياء وجذعها الفيزياء وأغصانها التي تتفرع عنها بقية العلوم الأخرى...
"الطب والميكانيكا والأخلاق".
ولا يخف أن أبا الفلسفة الحديثة المدفوع برياح التغيير
التي تهب عل أوربا في عصر نهضتها والمسكون
بهاجس التغيير لإقامة العلوم عل أساس صلب
أي "عل الصخر والصلصال بدل الرمل
المتحرك" كما يقول لم يستطع أن يتحرر من رقبة التصور الأرسطي فقد بقيت
الفلسفة عل يديه كما كانت وحدة للعلوم وهو
الذي عاصر الإرهاصات الأول لاستقلال
العلوم عن الفلسفة. ففي رسالة إل ميرسان Mersenne بتاريخ 28/43/3603 يقول ديكارت
"إن هذه التأملات الستة جماع الفيزياء كما أراها".
ولم يكتف ديكارت بتأسيس العلوم تأسيسا
ميتافيزيقيا فوحدة الفلسفة والعلم لا تقتصر عل
المبدإ الذي هو العقل ولا عل
الغاية التي هي إدراك الحقيقة بل عل
المنهج فمنهاج العلم أو الرياضيات يتأسس عل قاعدتي التحليل والتركيب وهما القاعدتان
المتضمنتان في قواعد تدبير العقل والتي تلخص المنهاج الفلسفي عند ديكارت الرامي
إل تحقيق
مشروعه الطافح بالوعود في إعادة بناء المعرفة بعد مسح الطاولة.
وخلافا لما يراه أرسطو
وديكارت فإن العلم يعد مقاربة موضوعية للمعرفة وكانت الفلسفة مقاربة ذاتية فهما
إذن خطابان مختلفان.
2 - الانفصال:
تجدر الإشارة إل أن استقلال العلوم قد حصل تدريجيا، وكان لعلم
الفلك السبق حيث استقل في القرن 33 عل يد كوبرنيك وكيبللير، ثم استقلت الفيزياء لتكون
كمية عل يد غاليلي في القرن 36 بعد أن كانت كيفية،
وتتال استقلال العلوم حت انفصــالت العلوم الإنسانية عن الفلسفة في
القرن 24 . لقد أصبح جليا
اليوم أن نضج الخطاب العلمي وتسلحه بالمناهج
الصارمة والمقاييس الدقيقة، قد أفض إل
تقلص هيمنة الفلسفة. وهذا الوضع الانفصالي الذي جسده استقلال العلوم في
العصر الحديث يمكن أن يرى فيه تبدل لوضع الفيلسوف من حال كونه منتجا للمعرفة
إل مستهلك لها. وتبدل في وضع الفلسفة من
ملكة للعلوم إل خادمة لها.
وكانت بوادر الانفصال بين الفلسفة
والعلم بادية في التحذير النيوتوني "أيتها الفيزياء حذار من الميتافيزياء".
والكانطية بوصفها سليلة للفيزياء النيوتونية، قد رأت ومن منظورها النقدي أن كل
العلوم قد حققت ثورتها التي بموجبها دخلت إل
الطريقة الواثقة للعلم وأن الفلسفة قد فشلت في تحقيق ثورة مماثلة وما نقد
العقل أو محاكمته إلا بغية تحقيق ثورة كوبرنيكية في الفلسفة يرى كانط أن الكانطية
هي التي تمثلها.
وبدعوى تحليل تاريخي يتحد الموقف الوضعي
وسليله العلموي من منطلق الانبهار بالعلم والانتصار له، في أن الفلسفة غدت بشكل أو
بآخر متجاوزة، وهو ما يستلزم ضرورة الاستعاضة عن الفلسفة بالعلم؛ الأمر الذي أبرزه
كونت في قانون الحالات الثلاث وهي:
1 –
الحالة اللاهوتية والخيالية
2 –
الحالة الميتافيزيقية أو التأملية
3 –
الحالة الوضعية أو العلمية.
وتمثل الحالة الوضعية أو العلمية طور
رجولة الفكر البشري، أما الفلسفة أو نمط التفكير في الحالتين اللاهوتية والميتافيزيقية
فتعبر عن طوري صبا ومراهقة هذا الفكر. وتأسيسا عل
ذلك تكون المعرفة العلمية اليوم هي المعرفة الوحيدة المشروعة لهذا حينما
أنشأ كونت A. Conte علم الاجتماع سماه "الفيزياء الاجتماعية".
وفي رأي دائرة فيينا أن التحليل المنطقي
يكشف مدى التعارض بين قضايا العلم ذات المعن ، والتي تخضع لمبدأ التثبت التجريبي
وبين أشباه القضايا الفلسفية الخالية من المعن
والتي تعاني من سوء التركيب اللغوي.
ولا يخف أن الوضعية قد سقطت في التناقض عندما أكدت
عل ضرورة تجاوز الفلسفة ،فهي بذلك تتخذ
موقفا فلسفيا، فلطالما عد "الاستهزاء بالفلسفة تفلسفا" وفق ما يرى
باسكال"Pascal.
وتبيانا لتناقص الموقف الوضعي يقول
انجلز "إن الذين يتقولون عل الفلسفة
يقعون في أسوء الفلسفة".
ويرى آلتوسير أنه بالرغم من استقلال العلوم عن الفلسفة فهنالك اتصال
غير مباشر مؤداه وجود ما يسميه آلتوسير "بعلم الفلاسفة" و"فلسفة
العلماء العفوية" فقد لا تكون الفلسفة سوى التعبير الجهر عما اسر به العلم،
فالعلم سيظل دوما بحاجة إل الفلسفة لأنه
ينتج نظريات يعجز تماما عن أن يستخلص منها ما يترتب عنها، وإبراز أثرها في
الميادين الأخرى ولهذا رأى برنار آن "الإنسان ميتافيزيقي بالطبع" فقد
بدأ بالميتافيزيقا ولم يبدأ بالعلم.
ولئن كان العلمويون والوضعيون قد عمدوا
إل نفي قيمة الفلسفة بدافع الانبهار
بالعلم كالموقف الذي نجده لدى الرأي العامي العفوي وهو يقيم الفلسفة انطلاقا من
معيار النجاعة، فهذا التقويم قد تبين خطأه مع هيدغر Heidegger فلا ينبغي تصور
الفلسفة معرفة كبقية المعارف، بل هي نشاط ذهني ورياضة عقلية قبل كل شيء. إنها
تفكير نقدي لا يقدم أية معرفة جديدة لكنها تسائل المعارف الأخرى وتعمل عل مراجعتها وهي كمشروع نقدي تظل دوما "أم
العلوم" وفق تأكيد هوسرل Husserl.
فالفلسفة بحث في الواقع وفي ما وراءه إذ
هي تبحث في المسائل التي يقصيها العلم باسم الموضوعية، بيد أن الإنسان ليس بحاجة
فقط إل الحقائق العلمية لنجاعتها بل أيضا
يحتاج إل المعن الذي تضفيه الفلسفة عل الوجود البشري. وقد تبين اليوم عجز العلم عن حل
كل مشكلات الإنسان بل أصبح هو ذاته مصدر الخطر الذي يهدد الإنسان ذلك أن هربارت
ماركوز Marcuse يحمله مسؤولية تدهور أوضاع الإنسان في العصر الراهن. لكن مع شيوع
النظرة العقلانية العلمية وهيمنتها في المجال الأخلاقي والسياسي والاقتصادي فلا
يجب أن نحمل العلم مسؤولية تدهور أوضاع الإ نسان اليوم لأن المسؤول الحقيقي عن ذلك
هو سوء استخدام العلم وتكالب بعض
الأطراف عل تحقيق
المنفعة، ذلك أن العلم ليس له أخلاق ولا يمكن أن يكون لا أخلاقيا حسب ما يرى
بوانكاري.
وإذا كان علينا أن نستخلص أن النهضة
الأوروبية وليدة الثورات العلمية كانت نتاج تراكمات الفكر الفلسفي فهذا الفكر
الفلسفي هو الذي ترتب عنه التقدم العلمي الذي يعيشه الغرب فهل من سبيل إل التقدم العلمي بمحاربة الفلسفة؟
