الفلسفة والإسلام
الفلسفة والإسلام
لم يهتم العرب في عهودهم الأولى مع الفتح بما
عند الأمم الأخرى من علوم وفلسفات لانشغالهم بالفتوحات وتنظيم الأمصار لكن ما إن
استقرت أحوالهم وتوطدت دعائم دولتهم حتى
راحوا يشجعون الاطلاع عل
العلوم الدخيلة لتلك الأمم. وقد اتسع النقاش ليأخذ شكل معركة كلامية وفلسفية
حول جدوى الفلسفة ومدى مطابقتها أو ابتعادها عن حرفية النص القرآني وبدأ التساؤل
عن مدى تطابق المعقول الفلسفي مع المنقول الديني؟ وأي مسوغ لدعوى أن التوفيق بين
الفلسفة والإسلام مضربهما معا؟
لعل أكبر معركة نشبت بين المتكلمين تلك
التي اشتد أوارها بين المعتزلة الذين اعتمدوا العقل بشكل مطلق في فهم الإشكالات
وحلها وبين الأشعرية الذين نشدوا الحقيقة الدينية عن طريق الإدراك العقلي لكنهم لم
يستسلموا للعقل استسلاما كاملا لأن له برأيهم قوة محدودة لا تقوى عل الإحاطة بأسرار الكون الخفية ولذلك كانوا
يقدمون النص الديني عل النظر الفلسفي في
كثير من مواضع التناقض والتعارض.
ويتفق المعتزلة عل أن المعارف كلها معقولة واجبة بالنظر العقلي
وأن معرفة الله وكذلك شكر النعم ومعرفة الحسن والقبيح واجبة بالعقل واتباع الحسن
واجتناب القبيح، كل ذلك يجب بالعقل إذ "العقل قبل ورود السمع"، يقول
الشهرستاني واصفا بعض أعلام المعتزلة: الجبائي وابنه أبو هاشم «أثبتا شريعة عقلية
وردا الشريعة النبوية إل مقدرات الأحكام
ومؤقتات الطاعات التي لا يتطرق إليها العقل»، وذلك ما يدل عل النزعة العقلية الغالبة على المعتزلة.
كان المسلمون في ظل التعاليم الإسلامية
بمنج عن تأثيرات الفلسفة وتياراتها
العقلية بالرغم من توسعهم في البلدان شرقا وغربا حتى غزت الفلسفة اليونانية الفكر العربي الإسلامي
ووضعته أمام تحديات مصيرية كبيرة لا عهد له بها، فإذا علماء الأمة الإسلامية
ينقسمون بين مؤيد للفكر الفلسفي اليوناني، وداع إلى توظيف العقل في كل أنشطة الفكر الإسلامي ليكون
هذا الأخير على مستوى سابقه في القوة
والمتانة والإقناع، وبين منكر للنظرة الفلسفية الخالصة وداع إل التزام تعاليم الشرع دون سواها في النظر
والتحليل من غير التفكر لقدرات العقل في الفهم والتفسير. وكان أبرز الذين تتلمذوا
على الفكر اليوناني وبالغوا في تمجيده
الكندي وأبو نصر الفارابي وابن سينا وكان هؤلاء هدف حملة الغزالي في كتابه «تهافت
الفلاسفة»الذي زعزع به حجة الإسلام أركان الفلسفة في عصره وجعل الكثير من المعجبين
بها يتريثون في قبولها أو ينصرفون عن تعاليمها ثم جاء ابن رشد القرطبي الأندلسي
فصنف «تهافت التهافت» في الرد عل الغزالي
والانتصار للفلسفة.
ويعتبر التوفيق بين الفلسفة والدين
الغاية التي يرمي إليها المشروع الفلسفي الأول لفلاسفة الإسلام مع الكندي، إذ يرى
الكندي أنه لا مسوغ للنهي عن النظر في كتب القدماء لذلك «ينبغي أن يعظم شكرنا
للآتي بيسير من الحق فضلا عن من أت بكثير
في الحق إذا أشركونا في ثمار فكرهم». وفي معرض حثه عل التفكير الفلسفي يضيف الكندي «ينبغي أن لا
نستحي من الحق واقتناء الحق من أين أت وإن
أت من الأجناس القاصية عنا والأمم
المباينة لنا فإنه لاشيء أول بطالب الحق
من الحق، وليس ينبغي بخس الحق ولا تحقير قائله ولا الآتي به فلا أحد بخس الحق بل
كل يشرفه الحق»ويوجه الكندي خطابه هذا إل
الفقهاء ولمتكلمي عصره الذين منعوا النظر في كتب الأوائل واتهموا أهلها
بالزيغ والكفر، ووفق حجة سجالية، يرى الكندي أن الفقهاء إما أن يقولوا إن الفلسفة
واجبة أو ليست واجبة إذا قالوا واجبة وجبت عليهم وإن قالوا ليست واجبة تعين الدليل
وهو من علم الأشياء بحقائقها أي الفلسفة.
وهذا التناقض فاضح، ومع ذلك يمكن القول
بأن التوفيق مع الكندي لم يتجاوز حدود التأليف أو التركيب بين الرأي الديني
والمنهج الفلسفي.
ولئن كان الكندي قد عاش في عهد قوة
ووحدة دولة الخلافة، فقد عاش الفارابي في عهد الانقسامات والصراعات السياسية فآثر
حياة العزلة والاشتغال بالفلسفة حيث يجب أن يسود الانسجام والتوفيق بين الفلسفة
والدين لكي يسود الوئام والتناغم في الحياة الاجتماعية والسياسية، وتكون المدينة
فاضلة. يقول الفارابي: «الملة الفاضلة شبيهة بالفلسفة». ذلك أن الملة أي الدين
والفلسفة كلاهما معرفة مستوحاة من العقل الفعال الذي في فلك القمر إذ يوحي العقل
الفعال عل العقل المستفاد للفيلسوف
الحقائق ويوحي إل مخيلة النبي مثالاتها
وأشباهها. يقول الفارابي: «فيما يوحيه العقل الفعال إل عقله المنفعل يصبح فيلسوفا وبما بوحيه إل مخيلته يصبح نبيا مرسلا». والفرق بين الفلسفة
والدين في نظر الفارابي أن الدين يهتم بالجزئيات والفلسفة تهتم بالكليات وأن
«الفلسفة هي التي تعطي براهين ما تحتوي عليه الملة الفاضلة». ويمثل ابن سينا في ها
المجال امتدادا للفارابي لذلك عرفابالفارابيين.
ومن موقف يقر بأنه «لا فلسفة ولا فلاسفة
في الإسلام» يهاجم الغزالي المتفلسفة في الإسلام وعل الخصوص الفرابي وابن سينا اللذين ورثا بقايا
كفرية عن الأقدمين وحاصل آرائهما ينقسم إل
ثلاثة أقسام هي:
1 – قسم يجب التكفير به.
2 – وقسم يجب التبديع به.
3
– وقم
يستوجب التسليم ولا يجب إنكاره أصلا.
وقد صنف الغزالي تهافت الفلاسفة للرد عل الفلاسفة فيها يستوجب التكفير والتبديع وذلك
«لبيان تهافت عقيدتهم وتناقض كلمتهم فيما يتعلق بالإلهيات» فإن كان المنطق
والرياضيات من العلوم البرهانية. التي لا سبيل إل
مجاحدتها ولا شيء منها يتعلق بالدين نفيا وإثباتا «رغم ذلك تتولد عنهما
آفتا القبول والرد» وما "انشغل أحد بآفة إلا وانحل عن رأسه لجام التقوى. فإن
الإلهيات هي موطن أخطاء الفلاسفة حيث خالفوا أصول الدين وفروعه في مسائل يبلغ
عددها عشرين مسألة والمخالفة لأصول الدين مستوجبة التكفير والمخالفة للفروع
المستوجبة التبديع.
وفي معرض دفاعه عن الفلاسفة يرى ابن رشد
أن الشريعة تستوجب النظر الفلسفي فمن أراد أن يعلم الله تبارك وتعال وسائر الموجودات بالبرهان عليه أن يتقدم أولا
فيعلم أنواع البراهين وشروطها «ولا يعني فعل الفلسفة شيئا أكثر من النظر في
الموجودات واعتبارها»، والشرع قد ندب إل
اعتبار الموجودات وحث عل ذلك تارة
باستعمال الأمر كما في قول الله تعال : }فاعتبروا يا أول الأبصار{ ويرى ابن رشد أن «من منع النظر في كتب
الحكمة من كان-+
أهلا للنظر فيها كمن منع العطشان شرب البارد
العذب حتى مات لأن قوما شرقوا به فماتوا».
ولا خلاف بين الفلسفة والنقل فيما لايرد
فيه نص أما ما ورد فيه نص فإن اتفق مع العقل فلا خلاف وإن لم يتفق معه يجب تأويل
النص حت يوافق العقل «والتأويل هو إخراج
اللفظ من الدلالة الحقيقية إل الدلالة
المجازية دون أن يخل ذلك بعادة لسان العرب في التجوز» ويخلص ابن رشد إل توافق بين الشرع والحكمة معلنا أن «الفلسفة
صاحبة الشريعة والأختالرضيعة كلاهما حق والحق لا يضاد الحق وإنما يؤيده ويشهد له»
وكامتداد لهذا الموقف التوفيقي يرى ابن خلدون أن مجال إدراك العقل هو المحسوسات
أما ما وراء المحسوسات كالغيبيات فلا سبيل إل
معرفته بالعقل بل يعرف بالنقل.
وبذلك يرسم ابن خلدون حدودا للعقل
معتبرا أنه من حيث ينتهي النقل يبدأ العقل.
وتجدر الإشارة إل أن المسلمين قد
أخذوا عناصر من فلسفتهم من مؤلفات أفلاطون وأرسطو وكتاب التاسعات لافلوطين الاسكندراني
المنحول واعتبروها بمثابة عقل كوني وكان غرض الخلفاء العباسيين وخصوصا المأمون
التحاكم مع خصومه عليه. لكن سرعان ما رأى الخصوم في نتائج ذلك العقل الكوني كفرا
وضلالا معلنين شعار «من تمنطق تزندق» فهل يمكن بعد ذلك اعتبار الصراع الفلسفي
انعكاسا لصراع سياسي أعمق؟
