المحور الثالث:الدولة بين الحق والعنف
الأستاذ:يونس لقرع
الأستاذ:يونس لقرع
المحور الثالث : الدولة بين الحق
و العنف
الطرح الاشكالي : اذا كانت الدولة تدبير للشأن
العام فهذا يعني انها ممارسة للسلطة . فكيف تمارس الدولة سلطتها ؟
هل باعتماد الحق و القانون ام العنف و القوة ؟
الموقف الاول : الدولة تقوم على العنف
موقف ماكس فيبر :
في إطار تعريفه للدولة يلتزم ماكس فيبر
بموقعه كعالم اجتماع. فهو يرفض أن يميز الدولة الحديثة بمحتوى ما
تقوم به من مهام؛ إذ لا وجود لمهمة لم يقع بها تجمع سياسي سابق عن الدولة كما
نعرفها اليوم. والحال كذلك، فإن الطريقة المناسبة لتعريف
الدولة هي التركيز على الوسيلة الخاصة المميزة لها عن التجمعات السياسية السابقة
عليها؛ وهي العنف الفيزيائي / المادي. لكن ماكس فيبر لا يقف في
تعريفه للدولة عند مستوى العنف والقوة، كما يذهب إلى ذلك التصور الماركسي، وإنما
يعتبر أن أساس الدولة يكمن في نمط المشروعية الذي يسوغ للدولة الحق في ممارسة
العنف. هكذا، فإنه يميز الدولة الحديثة عن أشكال
التجمعات السياسية السابقة عليها، باحتكارها للحق في ممارسة العنف الفيزيائي / المادي المشروع .
حسب ماكس فيبر، فإن العنف هو
الوسيلة التي ينبغي تقويتها وتجديدها باستمرار؛ لأن القانون والحق لا يضمنان
للدولة الحفاظ على أمنها وحدودها، على اعتبار أن ذلك قد يجعلها لقمة سائغة بالنسبة
لكل الأطماع التي تسعى إلى التوسع والسيطرة
موقف ميكيافيلي :
يعتبر ‘ماكيافيلي’ من كبار الفلاسفة الذين
دافعوا عن مشروعية استخدام الدولة للعنف والقوة، بل ولما هو أسوء منهما، المكر
والخديعة. فالأمير الذي يمثل أعلى نقطة في هرم
السلطة، القائد الأعلى لمختلف أجهزتها ومؤسساتها، يجب عليه، يقول ماكيافيلي، “أن يجيد استعمال اسلوب
الحيوان وأسلوب الإنسان على حد سواء(…)، وأن يقوم بالاستغلال الجيد
لكلا الطبيعتين”. وإذا كان أسلوب الإنسان يعني العمل وفق
القانون ووفق ما تقتضيه الفضائل الأخلاقية الحقة، من رحمة ووفاء وإحسان ونزاهة
وإنسانية، فإن أسلوب الحيوان يعني العمل وفق مبدأ القوة ومبدأ المكر معا،”فالأمير- يقول ماكيافيلي – عليه أن يقلد الأسد والثعلب
معا، لأن الأسد لا يحمي نفسه من الشراك، والثعلب لا يقوى على التصدي للذآب”. ولا يعني هذا أن ماكيافيلي ينصح الأمير بأن يتصرف دوما
حسب الطبيعة الحيوانية، أي بقوة ومكر، بل يعتبر ذلك خطرا عليه، وإنما بنصحه فقط ” بأن يكون على أهبة الاستعداد
للتغير حسب مقتضيات الظروف ومجريات الأحداث” أي ” أن لا يمتنع عن القيام
بأعمال الخير ما استطاع إلى ذلك سبيلا، مع ضرورة اللجوء إلى استعمال الشر عند
الاضطرار”، وهو المعنى الذي سيعبر عنه المبدأ الشهير
في الماكيافيلية ” الغاية تبرر الوسيلة”، فحينما يكون هناك خطر يهدد
عرش الأمير، أو أمن الجماعة واستقرارها فيصبح من حق الدولة أن تلجأ إلى القمع
والعنف بدل الحق والقانون، ومن واجب الأمير أن يلجأ إلى القوة والمكر بدل العدل
والنزاهة، لكن بمجرد أن يزول ذلك الخطر فيجب أن تعود الأمورإلى مجراها الطبيعي، أي
أن تعود القوانين كي تحكم ممارسات الدولة والأخلاق الفاضلة لتوجه أفعال الأمير.
موقف جاكلين روس: تتمسك دولة الحق بكرامة الفرد ضد
كل أنواع العنف والتخويف.
اعتبرت جاكلين روس أن دولة
الحق هي ممارسة معقلنة لسلطة الدولة، يخضع فيها الحق والقانون إلى مبدإ احترام
الشخص البشري وضمان كرامته الإنسانية. هكذا فالفرد في دولة الحق هو
قيمة عليا ومعيار أسمى لصياغة القوانين والتشريعات التي تمنع كل أنواع الاستعباد
والاضطهاد التي قد يتعرض لها.
وما يمكن ملاحظته هنا هو أن
الغاية هنا هي الفرد وليس الدولة؛ فهذه الأخيرة هي مجرد وسيلة لخدمة الفرد، إذ
تعتبره الغاية الأساسية من كل تشريع. ولن يتم ذلك إلا من خلال
مبدأ فصل السلط الذي يمكن من إحقاق الحق وإخضاعه للممارسة المعقلنة القائمة على
الاحترام وتطبيق القانون، ونبذ كل أشكال الإرهاب والعنف.
تركيب نهائي
للمفهوم :
واضح من كل ما سبق أن الدولة كإطار للانتظام السياسي وللحياة الاجتماعية
تطرح جملة من الإشكالات وتنطوي على عدد من المفارقات التي لا يمكن استيعابها
وفهمها على الوجه الأكمل إلا بالانفتاح على مفاهيم أخرى عدة وعلى ما تطرحه
هي أيضا من إشكالات ومفارقات ومن أبرز هذه المفاهيم: مفهوم العنف، مفهوم الحق، مفهوم
العدالة، مفهوم الحرية، مفهوم الواجب . . الخ
