الدولة: مقوماتها- نشأتها – وظائفها
الأستاذ:يونس
لقرع
تصدير
•
«لا يمكن زوال
بؤس الدولة وزوال شقاء نوع الإنسان ما لم يتملك الفلاسفة أو يتفلسف الملوك والحكام
فلسفة صحيحة تامة، أي ما لم تجتمع القوتان السياسية والفلسفية في شخص واحد» افلاطون
- الجمهورية
•
«الدولة والملك للعمران بمثابة الصورة للمادة وهو الشكل الحافظ بنوعيه لوجودها
لما في طابع البشر من العدوان الداعي إل
الوازع .... » ابن خلدون - المقدمة
•
«الدولة هي الفكرة الأخلاقية الموضوعية إذ تتحقق في الروح الأخلاقية بصفتها
إرادة جوهرية تتجل واضحة لذاتها، تعرف
ذاتها وتفكر بذاتها وتنجز ما تعرفه لأنها تعرفه» هيجل
•
«إن الدولة سابقة عل فكرة الدولة، وأي
تساءل عنها يعني بالضرورة تساؤلات عن الأصل والهدف» لينين
الدولة: مقوماتها- نشأتها – وظائفها
ينبغي التمييز بين مفهوم الدولة ومفاهيم القوة والسلطة والنفوذ التي تكون
مجتمعة ما يعرف بالنظام السياسي «يستخدم علماء الاجتماع مفهوم النظام السياسي
للدلالة عل توزيع القوة والسلطة والنفوذ
في المجتمع وعل الطرق التي يتم بها هذا
التوزيع سواء كان المجتمع بدائيا بسيطا أو حديثا معقدا»([1][1]).
فالنظام السياسي مركب
من المعايير والأدوار والحاجات التي تعمل عل
تدعيم وممارسة القوة من أجل ضمان الامتثال لنسق السلطة القائم ،والفرق بين
القوة والسلطة هو أن القوة هي التأثير عل الآخرين
حت ولو لم يوافقوا عل ذلك، في حين أن السلطة هي القوة المشروعة في
المجتمع والمأذون أو المصرح لها بالوجود.
أما مصير شرعية السلطة
فقد يكون التقاليد وقد يكون القانون أو الشرع وقد يكون جاذبية صاحب السلطة أو
كفاءته القيادية، أما النفوذ فهو الممارسة غير المباشرة للقوة من خلال الهيبة أو
الثروة أو الوضع الاجتماعي أو المنصب، وقد تجتمع القوة والسلطة والنفوذ في شخص ما،
فتكون القوة السياسية كاملة عندئذ.
أما مفهوم الدولة فيشير إل «الهيئة الاجتماعية التي تحتكر أعل درجات السلطة داخل إقليم معين وتمتلك حق توقيع
العقوبة البدنية من أجل تحقيق وظائفها الاجتماعية»([2][2]).
والدولة بهذا المعنى مرادفة للحكومة، وإن كانت الحكومة مجرد أداة
للدولة في رأي الكثير من علماء الاجتماع والقانون.
فما هي مقومات الدولة؟ وكيف نشأت؟ وما
وظائفها؟
أولا: الدولة ومقوماتها:
«الدولة في اللغة الاستيلاء والغلبة، والشيء المتداول فيكون مرة
لهذا ومرة لذلك .. وفي الاصطلاح جمع من الناس مستقرون في أرض معينة ،مستقلون وفق
نظام خاص، أو هي مجتمع منظم له حكومة مستقلة وشخصية معنوية تميزه عن غيره من
المجموعات المماثلة له»)[3][3]( ومعن هذا أن
الدولة جسم سياسي وقانوني ينظم حياة أمة معينة، لذا تختلف الدولة عن الأمة فالدولة
هي الأمة المنظمة، أما الأمة فجماعة من الناس تجمعهم صفات واحدة ومصالح وآمال
مشتركة، فالدولة إذن جماعة بشرية منظمة تعيش في إقليم معين، وتخضع لسلطة هيئة
حاكمة ذات قيادة، وتتمتع بشخصية معنوية متميزة، وتربط بين أفرادها رابطة سياسية
قانونية تفرض عليها الولاء لها (أي للدولة) والخضوع لقوانينها، كما تفرض
عليها حماية أرواحهم وأموالهم وكافة حقوقهم التي يقرها لهم القانون([4][4]).
ويتضح من هذه التعاريف
أن للدولة مقومات أساسية عبارة عن أركان لا تقوم إلا بها وهي: الجماعة البشرية (الشعب)
و(الإقليم المحدد )الأرض( والسلطة السياسية )الحكومة).
فالشعب هو المقوم
الأول لوجود الدولة، فلا يتصور قيام دولة بدون عدد معقول من السكان، وإذا تواجد
هؤلاء فلابد لهم من رقعة من الأرض تنسب إليهم ويعرفون بها، وإذا توافر الشعب
والأرض فلابد من الحكومة، إذ هي الأداة التنظيمية التي تستخدمها الدولة لتحقيق
أهدافها التي من ضمنها حماية الأرض والشعب من أي عدو خارجي، وفض النزاعات بين
المواطنين، وحل جميع النزاعات والمشكلات التي تنشأ عن وجود الناس في مكان واحد.
ولذلك لا تستطع الدولة تحقيق أهدافها إلا إذا كان لها سيادة أي سلطة. والسلطة
السياسية أو سلطة الدولة تعني وجود تنظيم من الأفراد كالحكومة تملك الحق في تطبيق
القانون عل شعب معين يسكن بلادا معينة
الحدود، إذن لا يمكن وجود الدولة إلا إذا توافرت المقومات المذكورة ولذلك قد يوجد
مجتمع ليس له دولة ،مع أن لكل مجتمع نظاما سياسيا، فالنظام السياسي شيء والدولة
شيء آخر، فالنظام السياسي مركب متداخل من الأدوار والمعايير الاجتماعية المتعلقة
بتوزيع القوة والسلطة والنفوذ. أما الدولة فكيان سياسي متميز الحدود ومستقل
الهوية. وهناك بعض المجتمعات التي ليست لها دولة لوجودها في إطار مجتمعات أكبر
منها أو أقوى أو أقدم تواجدا عل أرض
البلد. لأن الدولة دائما تكون باسم المجتمعات المسيطرة ،والواقع أن قيام أية دولة
رهن بتوفر الشروط المذكورة، والتي تربط بدورها بظروف نشأة الدولة.
ثانيا: نشأة الدولة:
يستلزم الحديث عن نشأة
الدولة الحديث عن أسباب هذه النشأة وأصلها وتناول الإشكاليات التي يثيرها الموضوع
والنظريات التي تتناول أصل الدولة ونشأتها. ورغم أننا إذا نظرنا إل ما يثيره مفهوم الدولة من أفكار تتعلق بالسلطة
والقانون وأنواع الأنظمة السياسية وطبيعة الحاكم والمحكوم، فإننا نجد جذور كل ذلك
تعود إل العصر اليوناني خاصة مع أفلاطون
وأرسطو، ثم في الممارسات العملية في العصر الروماني، إلا أن مفهوم الدولة بمعناه
الحديث في اللغة السياسية لم يستخدم إلا منذ القرن 16 .)[5][5](
1 – نظرية الحق الإلهي:
تعتبر نظرية الحق
الإلهي أو التيوقراطية من أقدم النظريات التي تفسر أصل الدولة والسلطة وذلك
عل أساس فكرة دينية دعا إليها رجال الدين
المسيحي في القرون الوسط ، ومفادها أن الدولة والحكومة تنظيم إلهي مقدس لمنع الشر
والخطيئة، فالملوك والحكام إنما يستمدون سلطتهم من الله ،وهم عملاؤه وممثلوه
عل الأرض، كما ذهبوا إل أن الثورة عل
الملوك تعتبر فوض سياسية غير
شرعية، بل هي خطيئة)[6][6]( مما أدى إل
تأليه الملوك وتقديسهم باعتبارهم ظل الله وخلفاءه عل الأرض، لذلك يحق للملك أن يحكم رعاياه حكما استبداديا
مطلقا، وعل الشعب أن يطيعه في كل
أوامرهوأحكامه، فلا يحق للشعب معارضة الملك ولا القوانين والتشريعات المعمول
بها لأنها ترجع في أصلها إل إرادة إلهية والملك هو الذي يجسد هذه الإرادة.
2 – التفسير السوسيولوجي:
هناك رأي آخر يعتبر
أكثر عاته من علماء الاجتماع يرى أن الدولة عبارة عن تنظيم قوي يخدم مصالح الصفوة
أو النخبة من أفراد المجتمع، أي الجماعة المتميزة بثروتها وجاهها ومكانتها
الاجتماعية، ومن هنا يذهب أصحاب هذا الرأي إل
أن السبب الرئيسي لقيام الدولة هو خدمة مصالح النخبة، ومع أنه قد يكون
للدولة وظائف أخرى إلا أن هذه الوظائف في مجملها تخدم مصالح النخبة، فالمجتمع في
رأيهم ميدان تتنافس فيه الجماعات المختلفة عل
الثروة والقوة والمكانة وغير ذلك
من متاع الحياة، ويرون أن الجماعة أو الجماعات التي تسيطر عل الدولة هي القادرة عل فرض إرادتها والتحكم في توزيع موارد الثروة
والقوة والمكانة وغيرها)[7][7]( فالدولة لم تظهر إلا بعد ظهور الملكية الفردية أو
الخاصة ومن ثمة ظهرت طبقة ملاك أصبحت مهمة الدولة حمايتها.
3 – نظرية العقد الاجتماعي:
يربط فلاسفة العقد الاجتماعي بين نشأة الدولة والسلطة وفكرة العقد الاجتماعي
التي انتشرت منذ القرن 11 خاصة مع جون لوك وهوبز وروسو
ويذهب هؤلاء إل أن الدولة تنشأ نتيجة لعقد
ضمني يبرمه أفراد المجتمع فيما بينهم ويتنازلون فيه عن سلطتهم لفرد ما أو جماعة
ما، أي يفوضون أمورهم العامة كالقضاء والإدارة وقيادة الحرب والأمن إل شخص ما أو جماعة ما ،فتصبح السلطة لهذا الشخص
أو هذه الجماعة)[8][8]( ويذهب فلاسفة العقد الاجتماعي إل أن الأفراد كانوا يعيشون في مرحلة طبيعية قبل
مرحلة الاجتماع البشري، وكانوا يعيشون عل الفطرة ولم تكن هناك قيود تحد من حريتهم،
ولكن هذه الحرية المطلقة كانت تؤدي إل
اضطراب وفوض عارمة، مما جعل
الأفراد يبحثون عن وسيلة للخروج من هذه الوضعية أي حرب الكل ضد الكل ،فبدؤوا في
التفكير في تأسيس حياة يسودها النظام والأمن «وكانت هذه الوسيلة هي التعاقد فيما
بينهم عل تنظيم حياة اجتماعية.
وهذا هو مضمون نظرية العقد الاجتماعي التي مؤداها أن
أولئك الناس اتفقوا عل أن يتنازل كل واحد
منهم عن بعض أو كل حقوقه، وأن يقبل العيش مع غيره في ظل سلطة توفق بين مصالح
الأفراد»)[9][9](.
فالمجتمع قد نشأ بناء عل اتفاق سابق بين الأفراد الذين يتكون منهم بقصد
التخلص من الشرور التي سادت الحياة في المرحلة الطبيعية السابقة عل تكوين المجتمع، إلا أن فلاسفة العقد الاجتماعي
اختلفوا في تفاصيل حالة الطبيعة وهل كان الإنسان خيرا أم شريرا فيها؟ وهل تنازل
الأفراد عن جميع حقوقهم للحاكم أم أنهم تنازلوا عن بعضها واحتفظوا بالبعض الآخر؟
يذهب هوبز إل أن حياة الإنسان في المرحلة
الطبيعية كانت تطبعها الأنانية لأن الإنسان شرير بطبعه فلم يكن الإنسان يبحث إلا
عن مصالحه الخاصة ولو عل حساب الآخرين
فالإنسان ذئب لأخيه الإنسان، وكان القانون السائد في المرحلة الطبيعية هو قانون
القوة لذا كان الأقوياء يعتدون عل
الضعفاء، فكانت حياة الإنسان تعمها الفوض
والعنف.
فكانت «تعسة قذرة، وحسية ثم قصيرة»)[10][10]( ويذهب هوبز إل أن العنف والصراع وحرب الكل ضد الكل في المرحلة
الطبيعية كان عائقا أمام الحياة الاجتماعية المستقرة وإنشاء الدولة، وأمام هذا
الوضع المضطرب أيقن الإنسان بضرورة تجاوز الأوضاع السيئة، وإنشاء مجتمع ودولة لوضع
حد لصراع الأفراد واستبداله بالتعاون بينهم، ويذهب هوبز إل أن الأفراد قد تنازلوا عن جميع حقوقهم لأن
التنازل عن بعضها دون البعض الآخر يؤدي من جديد إل حالة الفوض
والاضطراب فالشخص الذي يتنازل له الأفراد عن حقوقهم وحرياتهم يصبح حاكما
يتمتع بسلطة مطلقة لأنه ليس طرفا في العقد، لأن الأفراد قد التزموا فيما بينهم فقط
دون الحاكم بالتنازل له عن كل حقوقهم وبتقديم الطاعة والإذعان لأوامره وسلطته
المطلقة ،لأن ذلك أفضل من الاستمرار في حياة الفوض والحروب فالأفراد تنازلوا عن حقوقهم لصالح
إنشاء الدولة مقابل تأمين سلامتهم وملكيتهم الشخصية وجميع حقوقهم داخل الحياة
الاجتماعية في ظل الدولة)[11][11]( ولكنهم إذ وافقوا عل ذلك إنما عمدوا إل نقل لا رجعة فيه لحقوقهم الفردية وعهدوا بها
إل حاكم: رئيس أو ملك ولذلك يتمتع الحاكم
في رأي )هوبز( بسلطة ديكتاتورية يجب
عل الأفراد الخضوع لها وهذا ما يؤخذ
عل )هوبز( ويميزه عن غيره من فلاسفة العقد
الاجتماعي وخاصة )لوك( )وروسو( اللذين يتفقان في تصورهم لحالة الطبيعة حيث لم تكن
في نظرهم حالة حرب واضطراب كما يقول هوبز، كما أنها لم تكن مرحلة سابقة عل المرحلة الاجتماعية، بل كانت حالة سابقة عل الحالة السياسية التي يتمتع فيها كل فرد باستخدام
القوانين الطبيعية، ولكن أكبر عيب كان يصيب هذه المرحلة في رأي )لوك( هو حاجة
الناس إل قاض أو حاكم محايد يستطيع حسم
النزاع بشكل عادل.
ويأخذ عل عاتقه
تنفيذ القوانين، أما السبب الرئيسي والمباشر لظهور الدولة في رأي )لوك( وانتقال
الناس من الحالة الطبيعية، فهو ظهور الملكية الفردية وضرورة وجود نظام لحمايتها،
فالأفراد يريدون الاحتفاظ بملكياتهم الخاصة في أمان واطمئنان، فالغرض الرئيسي
للدولة والحكومة والقانون إنما هو حماية الملكية الخاصة، ويفرق لوك بين المجتمع
كحالة ناتجة عن العقد الاجتماعي، والحكومة التي يفوض المجتمع لها وظائف المراقبة
السياسية ،وبهذا استطاع أن يبين كيف أن في الإمكان فسخ الحكومة بدون القضاء
عل المجتمع المدني نفسه، وفسخ الحكومة أي
الثورة عليها مشروع عند لوك عكس هوبز، وذلك عندما يخالف الحاكم القانون ونصوص العقد
وأهدافه ،والحكم في هذا الأمر متروك لأكثرية المواطنين الذين يتكون منهم المجتمع
،وبهذا يرى البعض أن لوك قد وضع الأساس النظري للثورتين الأمريكية والفرنسية)[12][12](.
فهو يرى أن الحقوق الطبيعية للأفراد لم يتنازلوا إلا عن
جزء منها ،ولذلك فإن بقية الحقوق لا يجوز للحاكم المساس بها، بل يجب عليه احترامها
وإلا وجبت ثورة الأفراد عليه، فالحاكم في رأي لوك طرف في العقد عل عكس ما يرى هوبز فبمجرد إخلاله بالعقد يصبح
الشعب غير ملزم بطاعته مباشرة ولذلك اعتبر لوك أحد الرواد المساهمين في إرساء
المبادئ الأساسية للدولة الديمقراطية الحديثة)[13][13](.
أما روسو فإنه عل
خلاف هوبز كذلك يرى أن حالة الطبيعة لم تكن حالة حرب، إلا أن عدم الاطمئنان
الذي كان يسود هذه المرحلة وعدم ارتياح الأفراد قد أديا إل ضرورة إنشاء المجتمع المدني، ولم يكن من المستطاع
إنشاء حياة اجتماعية مشتركة وسلطة تنظيم موحدة إلا عن طريق إبرام عقد اجتماعي.
وهذا العقد هو الذي أدى إل وجود الدولة أو المجتمع المدني، إلا أن هذا
العقد لا ينشئ الحكومة، وهكذا يفرق روسو بين الدولة والحكومة، ومنح الدولة السلطان
الأسم الذي تفوضه للحكومة لممارسته، وليست
السلطة إلا قوة الدولة المطلقة التي ليست إلا تعبيرا عن الإرادة العامة للمجتمع أو
الشعب الذي هو مصدر كل قوة وسلطة، وقد أصبحت فكرة روسو عن سلطة الشعب أو الإرادة
العامة الأساس الذي قامت عليه نظرية الديمقراطية الحديثة في رأي الكثير من
المفكرين. وقد أكد روسو عل أن كل تغيير في
الحكومة يجب أن يخضع لاقتراح شعبي، كما قال بضرورة خضوع جميع المواطنين للقرارات
التي يوافق عليها أغلبية المقترعين وبضرورة تسجيل المقترعين لأصواتهم واختيارهم
لنوابهم في مناطق تحدد وفق عدد السكان والحدود الجغرافية)[14][14](.
ومهمة الدولة هي المحافظة عل حقوق الأفراد ومصالحهم، لأنهم تنازلوا عن
حقوقهم وحرياتهم للدولة وليس لشخص أو حاكم معين كما يقول هوبز ولوك، أما الحاكم
فينصب أو ينتخب من طرف أفراد المجتمع المدني داخل الدولة ،فالدولة والمجتمع المدني
سابقان عل وجود الحكومة فالحاكم لا يتمتع
بسلطة مطلقة لأن السيادة أو السلطة المطلقة هي للشعب، لذا فإن مصلحة الدولة أو
الحكومة يجب أن لا تتناقض مع مصالح الأفراد لأنها وسيلة ضرورية لتحقيق طموحات
الأفراد وحمايتهم من أي خطر داخلي أو خارجي إذن سيادة الدولة هي سيادة طبيعية
للإنسان، والقانون الذي تطبقهالدولة إنما يهدف إل
المحافظة عل هذه الحقوق، وخضوع
الشعب للقانون خضوع للإرادة العامة أو إرادة الشعب)[15][15](.
4 – الدولة من وجهة
نظر ابن خلدون:
يرى ابن خلدون أن الدولة تنشأ نتيجة الصراع عل السلطة والمنافع «فالملك منصب شريف ملذوذ يشتمل
عل جميع الخيرات الدنيوية والشهوات
البدنية والملذات النفسية، فيقع فيه التنافس غالبا وقل أن يسلمه أحد لصاحبه إلا
إذا غلب علبه فتقع المنازعة وتفضي إل
الحرب والقتال والمغالبة»)[16][16](.
ويذهب ابن خلدون إل
أن للدول أعمارا طبيعية كأعمار البشر وان عمر الدولة لا يتجاوز في الغالب
ثلاثة أجيال، ففي الجيل الأول الذي يمثل مرحلة شباب الدولة، يكون المجتمع في مرحلة
البداوة وفيها يتسم الشعب بالخشونة وقوة العصبية وهذه مرحلة نشأة الدولة.
والجيل الثاني يمثل فترة كهولة الدولة، ويسميه حالة
الملك بتحول المجتمع من البداوة إل
الحضارة ومن الشظف إل الترف ومن
الاشتراك في المجد إل انفراد الواحدية
وكسل الباقين عن السعي له وتمثل هذه المرحلة استقرار الدولة ونشاط مؤسساتها
وتنظيماتها.
والجيل الثالث يمثل مرحلة شيخوخة الدولة وفيه تضعف لأن
الوهن يدب في الشعب بسبب انغماسهم في الترف والنعيم وانشغالهم به عن الغزو ،مما
يفقدهم عزهم ويؤدي بالدولة إل الانهيار)[17][17](.
5 – مفهوم الدولة من
وجهة النظر الماركسية:
إن الدولة في رأي ماركس تعتبر نتيجة لتطور المجتمع
التاريخي وتعبيرا عن النمط الاقتصادي السائد في المجتمع فظهور الدولة كان مقترنا
بتاريخ ظهور الملكية الفردية التي أدت إل
تقسيم المجتمع إل طبقة ملاك وسائل
الإنتاج وطبقة المحرومين من الملكية أي البروليتاريا.
ففي المجتمع البدائي قبل ظهور الدولة كانت إنتاجية العمل
منخفضة وكان الناس ينتجون من أجل الحاجات الضرورية للاكتفاء الذاتي فقط، ولم تكن
هناك ملكية خاصة، وإنما ملكية عامة مشاعة بين جميع الأفراد لذا سميت مرحلة
المشاعية البدائية، ولذلك لم يكن هناك أي داع لقيام الدولة ،فكان الناس متساوين
ولم يكن هناك من يتمتع بأي امتيازات، ولم تكن توجد في المجتمع طبقات، ولكن بعد
التطور التاريخي للمجتمع البدائي ظهر هناك فائض في الإنتاج وظهرت طبقة استأثرت
بهذا الفائض فبدأت الملكية الفردية للأرض ووسائل الإنتاج، ثم ظهرت الحاجة إل وجود الدولة، التي ما هي إلا التنظيم السياسي
المعبر عن نفوذ الطبقة السائدة اقتصاديا فهي أداة تستخدمها تلك الطبقة من أجل
الحفاظ عل امتيازاتها ومصالحها وملكيتها
الخاصة ،فالدولة الديمقراطية في رأي ماركس ما هي إلا مؤسسة بورجوازية تهدف في
المقام الأول إل توطيد سيطرة الطبقة
الرأسمالية البروجوازية على مختلف الطبقات
الفقيرة في المجتمع مما يؤدي إل الصراع
الطبقي الذي سيؤدي في النهاية إل تصفية
الدولة ونهايتها وزوال الطبقات ومن ثمة ظهور النظام الشيوعي ودولة المجتمع أو
الشعب كله في نظر الاشتراكيين)[18][18](.
ثالثا: وظائف
الدولة:
لقد ظهرت في العصر الحديث أنظمة سياسية جديدة كنظام
الملكية الدستورية أو نظام الجمهورية ،كما ظهرت الدولة الرأسمالية والدولة
الاشتراكية ،وفي ظل هذه الأنظمة الحديثة تحددت وظائف الدولة أكثر ،وأصبحت مقسمة
ومنظمة بقوانين أساسية عل خلاف ما كان
عليه الأمر في عهد الدولة الثيوقراطية في العصور القديمة. وتعتبر الوظائف الأساسية
في الدولة الحديثة هي، فرض القيم والمعايير، والحكم بين الأفراد إذا تنازعوا
والقيام بعمليات التخطيط والتوجيه وتوفير الحماية للمواطنين، فالدولة مسؤولة عن
حماية قيم المجتمع ومعاييره التي تشمل قوانينه وشرائعه. ثم إن الدولة مسؤولة عن
حماية حقوق مواطنيها وأرواحهم وأملاكهم، كما أن الدولة الحديثة مسؤولة أيضا عن
إدارة موارد البلاد المالية والبشريةوتوجيهها لما يخدم أهدافها المعلنة، ثم إنها
مسؤولة عن حماية السكان من الاعتداءات الخارجية التي قد يتعرضون لها من المجتمعات
الأخرى)[19][19]( وبتطور المجتمعات الحديثة تعددت
وظائف الدولة وتشعبت، وتهدف هذه الوظائف في مجملها إل تحقيق الرفاه لجميع السكان، وهي الوظائف التي
تشمل القطاعات الاجتماعية كالصحة والتعليم والثقافة والخدمات المرفقية المختلفة
والتي أصبحت كلها منوطة بوزارة خاصة بها ومؤسسات تشرف عل تنفيذها والواقع أن توسع خدمات الدولة الحديثة
وشمولها معظم جوانب حياة الأفراد أمر يضيق به البعض، لأنهم يرون أنه تدخل غير
مقبول في خصوصياتهم وتقييد لحرياتهم، ولذلك توجد جماعات مختلفة من المواطنين
والأحزاب والمفكرين تدعو إل تقليص دور
الدولة وقصره عل الوظائف الأساسية التي
لابد منها لحياة المجتمع.
وقد اهتم المفكرون والفلاسفة كثيرا بتحديد وظائف الدولة
الحديثة فقد ميز )مونتيسكيو( في كتابه )روح القوانين( بين ثلاث وظائف أساسية
للدولة هي وظيفة السلطة التشريعية، والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية:
أ-
السلطة التشريعية (البرلمان)
تشرع وتسن القوانين
ب-
السلطة التنفيذية :
وهذه السلطة تمثلها (الحكومة) تقوم بتنفيذ القوانين والمحافظة عل الأمن بواسطة أجهزة الإدارة والشرطة والجيش وهي
المسؤولة عن حماية وسيادة الدولة.
السلطة القضائية: وهي التي تفصل في النزاعات بين المواطنين وبينهم وبين الدولة
،فتعتبر الحرية والمساواة والأمن وغيرها من الحقوق التي تضمنها الدولة لمواطنيها
رهينة بالفصل بين السلطات الثلاث مثل ما أكد(مونتسسكيو) وغيره من المفكرين
فتدخل الحكومة في نشاط وصلاحيات السلطة التشريعية أو القضائية هو أكبر خلل وخطر
عل دولة القانون، حيث يؤدي إل إهدار حقوق المواطنين وسلب حرياتهم، فلا يجوز
أن تصدر السلطة التنفيذية الأحكام، كما لا يجوز أن تعرقل تنفيذ الأحكامالصادرة عن
السلطة القضائية أو التشريعية)[20][20].
