الحرية والحتمية /الأستاذ:يونس لقرع
الحرية والحتمية
لقد شكلت الحرية انشغالا متواصلا لدى
الإنسان منذ فجر التاريخ فمن أجلها قامت حروب وسالت دماء وباسمها تغنى الشعراء ولفهمها وتفسيرها اختلف المفكرون
والفلاسفة، وإذا كان التفكير في الحرية عند الفلاسفة القدام محصورا ضمن تفكيرهم حول بعض المشاكل الأخلاقية
والدينية فقد برزت عند الفلاسفة المعاصرين كمشكلة رئيسية يدور حولها تفكير معظم
المفكرين وذلك بسبب دخول اعتبارات اديولوجية من الناحية الاقتصادية والسياسية وقد
طرحت إشكالية الحرية جملة من الأسئلة والإثارات سعت المدارس الفلسفية المختلفة
إل تقديم مقاربات بخصوصها اختلفت من مدرسة
إل أخرى ومن بين تلك الأسئلة هل من برهان
عل وجود الحرية؟
إذا أردنا البرهان عل وجود الحرية بواسطة الدليل المنطقي لابد أن
ننتهي إل إنكارها. وذلك لأن العقل ينظر
إل الحرية كموضوع خارجي عن الذات، إذ أن
الفعل الحر في نظر المنطق غير معقول، لأن الحرية تنطوي عل تناقض واضح مع مبدأ السبب الكافي، إذ إما أن
يكون للفعل الحر سبب كاف أو لا يكون له مثل هذا السبب، فإن كان له سبب كاف كان
محددا بهذا السبب وبالتالي لم يكن حرا وإن لم يكن له سبب كاف لم يكن فعلا إراديا
وبالتالي لم يكن فعلا حرا ما دامت الحرية من خاصية الإرادة، والإرادة هي العمل
وفقا لأسباب أو مسوغات ولهذا فالحرية عند الوجوديين ومن معهم في هذا المجال ليست
موضوعا محددا يمكن إثبات وجوده بالبرهان المنطقي مثل النظريات الرياضية بل الحرية
عندهم هي إثبات للشخصية وتقرير لوجود الإنسان، فهي ليست موضوعا يعاين من الخارج بل
هي حياة تعاين وتعاش أثناء العمل بالذات، فالشعور بالحرية أثناء العمل هو الدليل
عل وجود الحرية، إذ لا يمكن أن توجد
الحرية إلا أثناء الفعل الحر أو الحركة التلقائية الحرة يقول لايبنز: "إن
السؤال عن الحرية ليس مبعثه سوى إرادة الحريةأعني تلك الإرادة التي تريد أن تكون
حرة أما الشك في وجود الحرية فإنمبعثه ضعف يقين الموجود الحر شكل في ذاته مما يجعله
يلتمس يقينا خارجياأو ضمانا موضوعيا لحريته وهذا الأصل في سائر الأدلة العقلية
عل وجودالحرية إذ لا توجد الحرية إلا حيث
أوجد أنا نفسي ووجودي الأصلي لا يمكن أن يرتقي إليه أي دليل.
فالحرية إذن واقعة شعورية لا يمكن أن
تخضع لأي برهان ما دام الإنسان ليس إلا مجموعة من الأفعال الحرة والمتجددة
باستمرار لأن ماهيته هي الحرية نفسها، ولهذا نجد الفلسفة الوجودية تدافع عن الحرية
الفردية وتحدد ماهية الإنسان بالحرية إذ كل الموجودات خاضعة لقوانين الطبيعة
وحركتها مسيرة بهذه القوانين لكن حركة الإنسان صادرة من ذاته أو تلقائيته وليست في
بواعث خارجية عن ذاته ولذلك فهو الكائن الوحيد الحر، لكن حريته لم تمنحها له
الطبيعة بل يكتسبها بواسطة وعيه المستمر لذاته، لأن وجوده سابق لماهيته وهذه
الماهية يصنعها الإنسان بواسطة وعيه واختياراته لكن هذا الرأي تقابله آراء أخرى
تنفي الحرية عن الإنسان وتؤكد بالمقابل خضوعه لضرورات وحتمية الطبيعة.
الحتمية
الطبيعية والحرية:
عندما تقدمت العلوم تم اكتشاف الأسباب
المادية لكثير من ظواهر الطبيعة، إذ أصبحت الظاهرة الطبيعية غير مرتبطة بأسباب
غيبية، بل أصبحت مفهومة بالكشف عن القانون الطبيعي الذي تخضع له كل ظاهرة طبيعية،
والإنسان نفسه ليس إلا ظاهرة بين مجموع ظواهر الطبيعة، فهو يخضع مثلها لقوانين
الطبيعة في كثير من أنواع سلوكه سواء من حيث طبيعة تركيبه البيولوجي أو من حيث
علاقته بالطبيعة الخارجية، وليست حرية الإنسان عند أصحاب هذا الرأي إلا جهله
بالبواعث والأسباب التي تدفعه إل العمل أو
إل الاختيار، إذ لو علم الإنسان بالأسباب
المحددة لسلوكه لاقتنعبعدم حريته في كل ما يتوهم أنه يختاره، وليس الشعور بالحرية
إلا وهماناشئا عن شعورنا بحركتنا النفسية يصحبه جهلنا بالأسباب الدافعة إل الفعل ،وبعبارة أخرى يكون الشعور بأن إرادتنا
مطلقة ناتج عن جهلنا بالضرورة وفي هذا المعن
يقول اسبينوزا: "أليس الحالم والمستهوي والسكران يتوهمون أنهم يفعلون
بحرية؟ ويقول ليبنز "الإرادة عندما تختار تميل مع اقوي الدواعي أو البواعث
أثرا في النفس كما تميل إبرة الميزان إل
جهة الثقل ،وما حرية عدم الاكتراث أو تساوي الطرفين عند ديكارت وأمثاله إلا
وليدة الجهل، فكلما كان المرء حكيما كان فعله أكمل تحديدا وأكثر جبرية".
الحتمية
البسيكولوجية والاجتماعية:
بتقدم اكتشافات علم النفس ازداد أنصار
الحتمية تدعيما لآرائهم ،حيث إن الإنسان في نظر كثير من علماء النفس يتحدد سلوكه
بمجموعة من الدوافع والبواعث أو الميول وباكتشاف الجانب الشعوري في شخصية الإنسان
أصبح كثير من الأفعال التلقائية مفسرا بدوافع لا شعورية أما الأعمال الشعورية فقد
أصبح تفسيرها أكثر وضوحا بفضل الكشف عن دوافعها، وأما من الناحية الاجتماعية فإن
علماء الاجتماع والأنتربولوجيا يفسرون سلوك الإنسان بواسطة أنماط السلوك السائدة
في ثقافة المجتمع، ويلح دوركهايم عل هذه
الناحية إذ أن الضمير الجمعي عنده هو الذي يحدد سلوك الأفراد داخل المجتمع كما نجد
من بين علماء الاجتماع من يستشهدون بالإحصاءات الاجتماعية ويرتبون عليها نوعا من
الحتمية الناتجة عن تأثير البيئة الطبيعية ،وتأثير الوراثة البيولوجية والتربية
والعوامل الاقتصادية.
مفهوم
التحرر:
ذهب هيجل مذهبا آخر في فهمه للحرية حيث
يقول: "إن الحرية قد توجد أيضا عل صورة حرية مجردة لا اثر للضرورة فيها، ولكن
هذهالحرية الكاذبة إنما هي التعسف بعينه ومن ثم فإنها وعل وجه التحديدمناقضة لذاتها تماما لأنها بمثابة
تسلسل لا شعوري أو مجرد صورة وهميةمن صور الحرية، أو هي بالأحرى مجرد حرية صورية
محضة"، والحرية عند هيجل ليست إلا وعيا بالضرورة، وبهذا المعن الهيجلي لا يمكن لنا أن نتصور مفهوم الحرية
بدون أن نتصور مفهوم الضرورة أو الحتمية، لأن المعن الحقيقي للحرية يستلزم بالضرورة معن الحتمية ولهذا فالحرية والحتمية يؤلفان جدليا
ما يسميه هيجل بمفهوم التحرر لأن فكرة التحرر تقوم عل أساس الوعي أي المعرفة بالقوانين التي تقف حائلا
دون الحرية، سواء كانت قوانين الظواهر الطبيعية أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو
النفسية أو البيولوجية، ومعن هذا أن تحرر
الإنسان لا يستلزم وجود معجزات تقضي عل
قوانين الطبيعية او تلغي نظام الأشياء بل هو يستلزم معرفة هذه القوانين،
واستخدام هذه المعرفة بمهارة تقنية من أجل العمل عل تحقيق أهداف الإنسان وكلما ازدادت تلك المعرفة
ازدادت حريته فمثلا السفينة الشراعية التي تريد أن تتفادى التيار تتحايل عل اتجاه الرياح المضادة فتتقدم في اتجاه لولبي
مستخدمة قوة الرياح من أجل السير في اتجاه مضاد لها، ومن هنا فإن البحار الذي يريد
أن يتقدم بسفينته ليس في حاجة إل معجزة
حت يغير من اتجاه الرياح وإنما حسبه أن
يستخدم قوانين الطبيعة بمعرفة واضحة ومتميزة حت
يشق طريقه في الاتجاه الذي يريده.
وإذا كان روسو قد قال : "ولد
الإنسان حرا" فإن الماركسيين ينطلقون من نقيض هذا الرأي تماما إذ هم يقولون
إن الإنسان ولد مستعبدا ومقيدا بشت الظروف
الخارجة عن إرادته ويرون أن فلسفتهم فلسفة واقعية بعيدة عن التجريد ولا يقبلون
بهذا المعن التفرقة التي يقيمها الفلاسفة
الميتافزيقيون بين مشكلة حرية الإرادة من جهة ومشكلة حرية الأفراد السياسية
والاقتصادية من جهة أخرى بل هي ثمار تطور تاريخي وعملية مستمرة يحقق من
خلالهاالإنسان انتصاره عل الطبيعة
الخارجية من جهة وعل العبودية
الاجتماعيةمن جهة أخرى، فليست الحرية هي ذلك الحلم الذي طالما راود البشر بأنتجيء
أفعالهم مستقلة عن قوانين الطبيعة بل هي عبارة عن معرفة لتلكالقوانين مع نشاط فعال
من أجل الاستفادة من تلك القوانين عن طريق استخدامها لتحقيق تلك الأهداف المطلوبة
ومن هنا لا يعترف الماركسيون بالحرية
الميتافيزيقية التي تقوم عل الشعور
أو الوجدان الفردي أو التفكير التجريدي ولهذا فمسؤولية الحرية ليست فردية بل هي مسؤولية
يتحملها المجتمع في عملية تحرر متواصل لتمكين الأفراد من فرض الوعي والعمل وتنمية
طاقاتهم وقدراتهم الذاتية.
