أشكال الأنظمة السياسية المعاصرة
الأستاذ:يونس لقرع
الأستاذ:يونس لقرع
أشكال النظام السياسي
إذا كان "الإنسان كائنا اجتماعيا
بالطبع" فهذا يستلزم أنه "سياسي بالطبع" أيضا إذ لا يستطيع كيان
اجتماعي أن ينشأ ويستمر في الوجود من غير سياسة تنظم شؤون الأفراد داخل المجتمع
لكن هذا الأمر المسلم به لا يحدد طبيعة التنظيم، ولا نوع الحكم، أو نوع العلاقة
بين الحاكمين والمحكومين.
والواقع أن المجتمعات الإنسانية عرفت
دائما تنوعا في أساليب الحكم غير أن هذا التنوع لا يخرج عن اتجاهين عامين: اتجاه
دكتاتوري قائم عل انفراد الهيئة الحاكمة
بتسيير دفة الحكم من غير اشراك مؤسسات وقنوات متفق عليها مسبقا واتجاه ديمقراطي.
وعل
الرغم مما تتمتع به الديمقراطية من مزايا إنسانية فإن تطبيقها يقع وفق
نماذج مختلفة فما هي النظم الدكتاتورية؟ وما الديمقراطية؟ وما نماذجها؟
الدكتاتورية:
الدكتاتورية مفهوم يراد به كل نظام لا
يعترف بالديمقراطية ولا يتبن مبدأ الفصل
بين السلطات، ويدخل فيه بالطبع جميع الأنظمة الاستبدادية الفردية، ويتحمل هذا
النظام مسؤولية كل فساد وشر يحدث في الدولة، كما يتحمل مسؤولية كل أنواع التخلف في
جميع قطاعات المجتمع.
في البداية يظهر أن النظم الاستبدادية
تتأسس عل العنف وتعتمد عل القوة المادية الرادعة كما يبين )ماكيافللي( في
"الأمير" و)هوبس( في "الليفياتوم". والعلاقة هنا بين الحاكم
والمحكوم علاقة خوف وترهيب كما هو معروف ولو بدا ظاهريا نوع من الانضباط في
المجتمع، فهو من قبيل التصنع والخوف من قمع السلطة التي تفرض قوانينها، فالقوة هي
ضمانة الانضباط وبشكل إجمالي فإن الأنظمة التي لا تلتزم الخيار الديمقراطي تتهم
بأنها أنظمة شمولية وتوصف بشت الأوصاف
السلبية.
ويغالي بعضهم بالقول إن أي نظام حكم لا
يطبق الديمقراطية هو نظام حكم شمولي، وعليه فيكون نظام الحكم إما أن يكون
ديمقراطيا وإما أن يكون شموليا.
وبهذا التوصيف التعسفي لأنظمة الحكم يتم
إسقاط هذا الوصف ليس عل أنظمة الحكم
الوضعية الحالية وحسب، بل ويعمم عل جميع
أنظمة الحكم التي عرفتها البشرية منذ فجر التاريخ، فكأن الحضارات والثقافات
عل مر العصور لم تعرف سوى هذين النظامين.
الديمقراطية:
تتركب كلمة ديمقراطية من لفظين هما:
)ديموس( (Démos) بمعن جمهور أو الشعب و)كراتوس( (Kratos) بمعن
حكم. فهي نظام سياسي يدعو إل تمكين
الشعب من أن يحكم نفسه بنفسه. وعل هذا
الأساس فالديمقراطية هي الحالة القانونية التي تكون فيها السيادة المطلقة للإرادة
العامة للمواطنين.
وتمثل ديمقراطية طموح الشعب في أن يقلع
حكامه عن الظلم والاستبداد وأن يسعوا إل
احترام حقوق المحكومين وأن يراعوا المصلحة العامة.
ويرى )كورفيتش( في الديمقراطية محاولة
للتأليف بين تيارين متضادين هما الفردية والعالمية. ويظهر ذلك عل مختلف المستويات:
فالمواطن يريد المحافظة عل حريته ويتعاون مع غيره من الأفراد والمؤسسة تعمل
عل إبقاء ذاتيتها مصانة وتتعامل في نفس
الوقت مع مثيلاتها والحكومة تدافع عن استقلالها في إطار التعاون مع غيرها من
الدول. ويعد هذا الاتجاه المزدوج من أهم عوامل انتشار الديمقراطية في العصور
الحديثة.
أما الديمقراطية التي تعني حكم الشعب أو
الحكم وفق إرادة المحكومين من غير قهر أو خوف. ونظام الحكم فيها يستهدف
انسجاما وانضباطا مبنيا عل التعاقد والتعاون الذي يحقق تكاملا بين مطامح
الفرد في الحرية والكسب وبين مطامح الجماعة والعدالة والمساواة.
والإشكال يكمن في كيفية التوفيق بين
نوازع الإنسانية وحب التسلط والتفوق لدى بعض الأفراد والجماعات التي هي دائما
أقلية، وبين مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات كأساس لرض الأغلبية.
ومحاولة حل الإشكال يصطدم بصعوبات نفسية
أخلاقية بالدرجة الأول ، فمن الناحية النفسية كيف يمكن حصول تراض يوحد التصورات
والقيم في جماعة من الأفراد يتمايزون بفوارق فردية في شت مناحي الفكر والسلوك..؟ ومن يضمن التزام أفراد
وجماعات في سلوكهم اليومي بما أقرته الأغلبية، خصوصا وأن الديمقراطية تضمن حق
الاختلاف والتمايز في التفكير والتعبير.
أما من الناحية الأخلاقية فإن أصعب ما
يواجه تحقيق الديمقراطية هو غياب الفضيلة التي تعني جملة الخصال الضرورية لقيام
مجتمع يسود فيه النظام والحرية في نفس الوقت. واهم هذه الخصال الاحترام المتبادل
بين الأفراد والجماعات، والاعتراف المتبادل بأن للجميع نفس الحقوق والواجبات ضمن
قانون عام يطبقه الشعب احتراما واقتناعا بقيمته الأخلاقية وليس خوفا أو تحايلا،
ونماذج الحكم الديمقراطي توضح ذلك.
إن أقدم نموذج للحكم الديمقراطي هو الذي
حاول اليونان القدماء تحقيقه في بعض مدنهم، حيث كان المواطنون يشاركون في سن
القانون واختيار الحكام مباشرة في ساحة المدينة، وفق منطق الأغلبية، لكن الأغلبية
ليست أغلبية المحكومين، بل أغلبية داخل أقلية تتمتع بحق المواطنة من الرجال
المنحدرين من عائلات عريقة في المدينة، وبهذا الامتياز الطبقي أخفق المشروع
الديمقراطي كما تصوره الفكر اليوناني. ومرد الإخفاق كما هو واضح يعود إل سيطرة الأقلية عل الأغلبية واستغلالها.
أما في العصر الحديث فإن
مفهوم الديمقراطية تفرع إل تيارين:
أولا: تيار الديمقراطية السياسية
– الليبرالية التي تستهدف تحقيقالحرية عل
أكمل صورة تمكن الإنسان من تحقيق مطامحه عل أقص حد
ممكن وفق مبادئ دستورية انبثقت من اجتهاد نواب الشعب في مختلف المستويات.
والصعوبة التي واجهت هذا التيار هي
كيفية التوفيق بين الأهداف المنصوص عليها في الدستور الذي يستمد منه الحكام
شرعيتهم وبين وضعية الأغلبية التي تعاني من سيطرة الأقلية التي تمتلك زمام الأمور
الاقتصادية والسياسية والإعلامية، وبذلك تكون الديمقراطية شكلية تخفي إجحافا في حق
الأغلبية، بشكل أو بآخر كما حصل في أوربا الغربية وأمريكا وغيرها...
ثانيا: تيار الديمقراطية
الاجتماعية التي تتبن النظام الاشتراكي
الذي يستهدف تحقيق العدالة الاجتماعية لإسعاد الأغلبية ماديا ومعنويا وذلك بالقضاء
عل نوازع الأنانية والطبقية وغيرها مما
يقف عمليا في وجه المساواة في الحقوق والواجبات في إنتاج وتوزيع الخيرات.
لكن هذا النظام واجه بدوره صعوبات نفسية
وأخلاقية سرعان ما تحولت إل أزمات
اقتصادية اجتماعية فتتكاثر القرارات البيروقراطية ويقل المردود الفعلي للإنتاج،
ويسوء التوزيع، وتظهر الطبقية ابتداء من الذين نصبوا أنفسهم عل إدارتها وهكذا تؤول الديمقراطية بالمفهوم
الاشتراكي إل شبه ما آلت إليه الديمقراطية
بالمفهوم الليبرالي.
إن تحقيق الديمقراطية يستلزم بعث القيم
الأخلاقية ابتداء من تكوين الفرد تكوينا ديمقراطيا في تفكيره وتقويمه للأشياء
وتعامله معها.
