-->
U3F1ZWV6ZTE1MTMzMjgyNzU2X0FjdGl2YXRpb24xNzE0MzkyMTY1MTU=
recent
أخبار ساخنة

إدريس كثير يكتب:خريطة الفلسفة

إدريس كثير يكتب:خريطة الفلسفة
إدريس كثير يكتب:خريطة الفلسفة 

((هذه هي الطريقة الآرية في التفكير: موضوع/ محمول، وليست هي الطريقة الوحيدة ولا هي الأكثر وضوحا ودقة)) .... بورس

في كتابهما »ما الفلسفة« تساءل جيل دولوز وفليكس غاتاري (١) عن إمكانية وجود فلسفة صينية او هندية او يهودية او اسلامية. فأجابا بالايجاب. إلا أن هذه الاخيرة ستكون حكمة أو دينا، وفيلسوفها سيكون حكيما.

أما الفيلسوف الاغريقي فهو محب للحكمة او صديقها (فيلو= صديق). ويمتاز الحكيم الشرقي في نظرهما بالتفكير من خلال الصور ويعتمد المحسنات البلاغية، في حين يعتمد الاغريقي على المفهوم والشخصيات المفهومية المجسدة له. أما المقام فلدى الاول متعال عمودي اما لدى الثاني فمحايث وأفقي. هكذا فالصور لدى الصيني هي خطوطه الابجدية المنفصلة او المتصلة ولدى الهندي هي اسقاطاته الدينية على الأرض ولدى العربي هي بيانه ولدى المسيحي هي أيقوناته. الصورة إذن أنموذجية تراتبية إسقاطية تحيل على أصل سماوي، أما المفهوم فمحمولي ترابطي يشق مساره الأرضي بكل عناد وقوة. وعليه هناك من يمنح المفهوم حظوة العقل ويخص الصورة بليل اللاعقل، وهناك من يمنح الصورة امتياز الحياة الروحية ويخص المفهوم بالفهم المصطنع. ومع ذلك »لابد من ملاحظة أن الديانات لا يمكنها ان تصل الى مستوى المفهوم بدون ان تنكر ذاتها، وأن الفلسفات لا يمكنها أن تصل الى مستوى الصورة دون أن تخون نفسها«.(٢)

إن حرارة الصداقة وامتلاك الرأي وحب الجدال وأفق التعايش الجماعي لدى الاغريق هي العناصر الأولية لبناء خريطة الفلسفة، اتخذت من المدينة فضاء لها ومن الوجود مسكنا ومأوى، فاكتشاف هذا المسكن اللغوي والأنطولوجي هو ما ميز الفلسفة الاغريقية عن صنوتها الشرقية التي هامت في القطب التجريدي المتعالي مفتقدة للارتباط بالأرض والتراب.

نيتشه هو من أسس خريطة الفلسفة وجغرافيتها حين بحث في تحديد السمات الوطنية لكل من الفلسفة الفرنسية والانجليزية والألمانية. لماذا كانت هذه الدول الثلاث هي القادرة على إبداع الفلسفة في العالم الرأسمالي؟ لم استثنى اسبانيا وايطاليا؟ ربما لأن اسبانيا كانت أكثر خضوعا للكنيسة وايطاليا أكثر قربا من أماكنها المقدسة. إن ما أنقذ انجلترا وألمانيا فكريا هو قطيعتهما مع الكاثوليكية وما أنقذ فرنسا هو حسمها مع الغاليكانية. كان الألمان يؤسسون فضاء الفلسفة كمقام للمحايثة وكان الفرنسيون يبنونها ويشيدونه وكان الانجليز يسكنونه ويقطنون فيه. ولم تحذ اسبانيا ولا ايطاليا حذوهم، لذا افتقدنا لمكان وفضاء خاص بالفلسفة. ولربما كان في القيام بتطوير قوي لتركيب المفهوم بالصورة في ضرب يمكن نعته ب (Concettisme) ضرب من التوافق المسيحي للمفهوم والصورة. إلا أن هذا الاختيار ورغم أهميته الجمالية يضمر الفلسفة أو يحولها الى بلاغة ينفلت منها الامتلاك العارم للمفهوم.

وماذا عن البرتغال؟ لا نحتاج بكل تأكيد الوقوف عند أهمية سواحل البرتغال ولا عند الخطوة السياسية والديمقراطية الجبارة التي حققتها هذه الجهة من أوروبا (ثورة القرنفل) كما لا نحتاج تعب الاشارة الى الارتباط اللصيق بالكنيسة وظلالها الوافرة على هذه البقعة من الأرض.. من التراب.

كل هذه السمات ترشح البرتغال لاحتضان ما أخفقت اسبانيا وايطاليا في تحقيقه. لقد انذر مانويل ماريا ماريلو نفسه لجمع شتات الفلسفة الغربية في مقام البرتغال وكان كتابه: »خطابات الحداثة«.(٣) من الكتب الرحالة القليلة في جغرافية الفلسفة. فيه نصوص وتصورات فلسفية هاجرت من كل حدب وصوب من اليونان والنمسا وألمانيا وبلجيكا وفرنسا وانجلترا.. هاجرت كلها الى البرتغال. علها تثمر من جديد في هذه التربة الايبرية التي افتقدت لأسباب سياسية طارئة الى الخصوبة الفكرية والفلسفية لمدة ليست بالقصيرة«.(٤)

ان انفتاح تراب البرتغال لجمع هذا الشتات ولاجتثاث ترابه عبر مقام منفسح لا يهاب ربط المحايثة بالتعالي كما يربط الحداثة بما بعد الحداثة، سيؤدي الى فهم وقبول التعددية الفلسفية القائمة على التنوع المفاهيمي والحجاجي وعلى مختلف أشكال العقلانية المترتبة عن هذا التنوع. »وهو ما يسمح بالحديث عن عقلانيات وليس عن عقلانية واحدة وعن خطابات متمايزة تتبادل الحجج فيما بينها وتقوم بتصريف ما يتوفر لديها من مخزون مفاهيمي ومن قوة خطابية في التأثير«.(٥)

فإذا كانت الحداثة تقوم على العقل وبالتالي على المفهوم كتراب فان ما بعد الحداثة تقوم على اللاعقل وبالتالي على الانزياح كصورة. فهل سنسمي هذا الاجتهاد »Concettisme«؟ قد لا تخلو هذه التسمية من تلفيق، إلا أن هذا الاجتهاد ينعته كاريلو »بالانعطاف البلاغي« ذلك الانعطاف الذي يترك الفلسفة النسقية الاساسية (من الأس) جانبا ويميل الى التصور المرتبط بالسياق والبلاغة والتواصل. وإذن ما تنبأ به كل من دولوز وغاتاري لاسبانيا وايطاليا قد تحقق في البرتغال وإن كان لم يتحقق في شكله المفاهيمي فقد جرى في شكله الصوري (صورة) هكذا يجب التنبيه الى أن »الانعطاف البلاغي« للفلسفة قد انطلق من بلجيكا وليس من فرنسا على يد بيرلمان وصديقه ثم على يد ميشال مايير ليستقر بالبرتغال، كما يجب التذكير بأن اجتثاث تربة الفلسفة الأرسطية قديما من موطنها الاغريقي ونقلها الى الأندلس تم على يد ابن رشد بتلك العناية التي تمنح الفلسفة تربتها وللدين تربته.

إن الفلسفة الآن توجد بشكل مضاعف على مشارف شمال المغرب (افريقيا). فهل نستطيع نقل مشعلها إلى تربتنا؟

في المشرق العربي بدا ترحيل ثم توطين الفلسفة اليونانية بمفاهيمها ومقامها بادئ ذي بدء على يد أبي يوسف اسحاق الكندي في مقام آخر كان يملأ كل أفق التفكير والصراع العقائدي، فضاء متعال نحت له الكندي مفاهيمه الفلسفية في جملته المشهورة »تأييس الأيسات عن ليس«، في دعوة صريحة لتأسيس انطولوجيا مغايرة، تنتقل من العدم (ليس) الى الوجود (أيس) وتجتهد في ردم الهوة التي تفصل الطرفين النقيضين.. فضاء متعال ينطلق من لا شيء من الكاووس ليحط في مقام وجودي بمحاولة فريدة من نوعها انطلقت بمفاهيمها وخاضت غمار الصراع التأسيسي لمقام المحايثة ضد أعداء الشخصيات المفهومية.

إلا أن المقام اليوناني كان عاصفا في لا نهائيته لكل محاولة استقلالية فبقيت محاولة الكندي محاولة يتيمة، جمد مسارها وأتلفت رسومها.. لكن كيفما كانت الحالة، فالثابت ان الفارابي قد انتبه الى المسألة. مسألة »الوجود« وفصل فيها القول(٦) رغم انه كان يتحرك في مقام ارسطو ومفاهيمه بصور الحكيم وبلاغته.

فهو يقول »وليس في العربية منذ أول وضعها لفظة تقوم مقام »هست« في الفارسية ولا مقام »استين« في اليونانية...(٧). وحين يقابلها بهو والهوية وبالموجود والوجود وكان والكينونة.. يلاحظ بأن كل هذه التقابلات لا تملأ حياد »استين« مثلما قد تملؤها كلمة »شيء« كمثال أول. وأمام هكذا وضع يقول: »وأما أنا فإني أرى أن الانسان له أن يستعمل أيها شاء«.(٨) رغم ان هذا الاختيار المفترض من طرف الفارابي مشروط ب»لكن« الا انها شرائط تقريبية تقابلية لم تفكر في غياب الكلمة إذا كانت كلمة »إيس« من الكلمات المهملة.

إن اكتشاف اليونان لاستين (Estin) كمسكن لغوي وانطولوجي، يقابله غياب صريح لذات المسكن لدينا. فنحن كالبدو الرحل لا مسكن لهم سوى الصحراء على مستوى اللغة. أي العراء والتيهان الاستعاري.

ألا يمكن للغياب بدل الحضور وللترحال بدل الاستقرار وللصحراء بدل المدن وللعراء والتيه بدل السقف والقصد أن يؤسس خريطة مغايرة للفلسفة؟

هوامش

١ – Gille Deuleuze- Felix Guattari Quest ce que la philosophie? Ed. Minuit. 1991.P89. 

٢ - مانويل ماريا كاريلو. خطابات الحداثة. دار ما بعد الحداثة 2001. ترجمة إدريس كثير- عز الدين الخطابي.

٤ - نفسه ص ٥.

٥ - نفسه ص ٨.

٦ - أبونصر الفارابي، كتاب الحروف، تحقيق محسن مهدي، دار المشرق، 1970 ص110 - 128
الاسمبريد إلكترونيرسالة