المادية الجدلية(الدياليكتيكية)
المادية الجدلية (الدياليكتيكية)
جاءت المادية الجدلية عند كارل ماركس وانجليز امتدادا
طبيعيا للمادية الحديثة وإن كانت تتقدم هذه المادية ، فهي ترى أن هذه الاتجاهات
المادية آلية ميكانيكية لا تعترف إلا بشكل واحد من أشكال حركة المادة؛ هي الحركة
الميكانيكية ومن ثم تنظر هذه المادية إلى
الطبيعة نظرة ميتافيزيقية)[1]( وتحصر نفسها في الطبيعة دون
التاريخ ، وترى بأن الدماغ )يفرز التفكير ،مثلما تفرز الكبد المادة الصفراء أو كما
تهضم المعدة الطعام)[2](. أي )الإنسان يأكل قبل أن
يفكر( كما يقول فيور باخ. وهذا بالرغم من أن المادية الجدلية تقول بأسبقية الوجود
المادي والاجتماعي على الوجود الفكري، يقول
ماركس «ليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم، بل على
العكس من ذلك أن وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم»)[3](.
من هنا يتبن أن الفرق بين المادية الميكانيكية والمادية
الجدلية هو أن الموضوع أو العالم الخارجي لا ينظر إليه في الأول إلا على
شكل تأمل بينما تنظر الثانية أي المادية الجدلية إليه في حقيقته المتحركة
لا في مظهره الساكن، أي أن ما يميز المادة هو حركتها الدائمة: ميكانيكية –
فيزيائية – كيماوية - بيولوجية – اجتماعية.
وهكذا يكون عالم الحقائق الموضوعية هو عالم حركة دائمة
بفعل تناقضاتها.
يقول لنين «الديالكتيك هو دراسة هذه التناقضات نفسها،
خاصة الباطنية منها».
ولعل أوضح من يحدد المادية الجدلية الماركسية كتجاوز
للمادية الكلاسيكية )فيور باخ وغيره(، وما يميزها عنها هو:
ا – أن المادية الجدلية تدع "الالتزام " التزمت بالعلم في
تفكيرها وعملت على الاطلاع عل مسير العالم ، وما يحققه في مختلف النواحي
البيولوجية والاقتصادية والرياضية والفيزيائية وضرورة الاطلاع على التاريخ بل إن ماركس وانجليز كادا أن يفردا
التاريخ بالعلمية، عكس فيور باخ الذي يفصل التاريخ عن المادية.
ولعل هذا أيضا ما جعل المادية الجدلية تتجاوز سمة الجمود
والسكون في مادية فيورباخ؛ )لكل شيء قسماته المميزة الثابتة( وتأخذ بعين الاعتبار
بالاكتشافات العلمية الحديثة خاصة ما يتعلق بنظرية تحول الطاقة واكتشاف الخلية)[4]( التي أثبتت للمادة العضوية
تاريخا مرت خلاله بتفاعلات وتطورات وتغيرات هامة.
ب
-
كما تجاوزت المادية الجدلية الماركسية مادية فيور باخ حيث نظرت إلى الإنسان لا كماهية ونوع، بل كفاعلية عاملة منتجة
باعتباره «مجمعا للعلاقات الاجتماعية» وهو ما طبعها بصفة المادية التاريخية يقول
انجليز: «إننا لا نعيش في الطبيعة فحسب بل نعيش كذلك في المجتمع الإنساني وهذا
الأخير يملك أيضا -مثله مثل الطبيعة- تاريخ تطوره وعلمه»)1(.
ج
-
وفي جدلية الذات والموضوع كعامل محدد للتيار المادي والتباين فيه، فقد ذهبت
المادية الجدلية إلى القول: «إن المعرفة
الإنسانية ليست مجرد انعكاس للواقع،
والإنسان ليس مجرد وعاء سلبي للانطباعات الآتية من العالم الخارجي، بل إن
المعرفة الإنسانية هي نتاج التفاعل الحاصل بين العقل والعالم الخارجي يقول ماركس:
«لو كان مظهر الأشياء يتطابق مع جوهرها لصار كل علم غير لازم»)2( وقال: «الوسط يصنع
الإنسان بقدر ما يصنع الإنسان وسطه»)3(.
من هنا تتجل
النظرة الشمولية للمادية الجدلية عند ماركس والتي تبرز مدى أخذ مـاركس
بالمنهج الجـدلي الذي جعله يأخـذ بعين الاعتبار تعقد الظواهر الإنسانية وتداخل
العوامل وتشابك العلل.. رادا بذلك البنية الفوقية )السياسة والقانون والأخلاق(
إلى البنية التحتية علاقات الإنتاج والوعي الاجتماعي(.
ويمكن القول بأن المادية الجدلية فلسفة ومنهاج وممارسة
،وهي تؤسس فلسفتها عل مقولات هي:
-
المادة
-
الحركة
-
التناقض
-
الممكن والواقعي
-
الشكل والمضمون
وهذه الفلسفة تقوم عل منهج مؤسس
عل ثلاثة قوانين هي:
1
–
قانون وحدة المتناقضات وصراعها
2
–
قانون التحول من الكم إل الكيف والعكس.
3 – قانون نفي النفي.
____________________________
1 - نفس المرجع
- 2
الفكر الإسلامي والفلسفة المغرب
- 3
نفس المرجع السابق
ويعني القانون الأول: أن التناقض يوجد داخل الشيء الواحد،
وأن أشياء العالم تتألف كلها من متناقضات، سواء منها المواد الجامدة أو الحية أو
الهيئات الاجتماعية، وهذا التناقض هو أساس كل تطور ونمو يقول لينين:
«إن النمو هو صراع الأضداد»)[5](، وهذا التناقض ينقسم إل تناقضات داخلية تتم داخل الشيء الواحد، وخارجية
مع المحيط الذي يوجد فيه وأشيائه.
والتناقض الداخلي هو أساس التبدل، وهو أساس فعل التناقضات
الخارجية وتميز كذلك هذه المادية في التناقض بين تناقض رئيس وتناقض ثانوي فالأول
هو ما يقوم بالدور الحاسم في عملية الصراع ويحدد شكل التطور والنمو .
أما القانون الثاني فيعتبر أن التزايد التدريجي في التغيرات
التي تلحق الكم، والتي تكون أول الأمر ضعيفة غير مشاهدة، تؤدي عندما تصل إلى درجة معينة إلى
تغيرات كيفية جذرية تختفي معها الكيفية القديمة لتحل محلها كيفية جديدة
ينتج عنها بدورها تغيرات كمية)2(.
كما يعني هذا القانون ظهور شيء جديد من صلب القديم ليحل
محله ،دون أن يعني ذلك محو القديم بكل جوانبه السلبية والايجابية.
في حين يعني القانون الثالث: أن التطور يسلك خطا صاعدا بمعن أنه يسير من أدنى إل أعلى
، وهو المحدد للاتجاه العام لتطور العالم المادي والاجتماعي، فنفي النفي يعني ظهور
شيء جديد من صلب القديم ليحل محله جديد آخر، أي أن الجديد الثاني ينفي الجديد
الأول دون أن يكون ذلك يعني محو القديم بكل جوانبه السلبية والإيجابية. بل إنه في
كل شيء جديد شيء من القديم، وهو ذاك الشيء الذي يعيق حركة التطور، من هنا كان نفي
النفي لا يعني الدوران في حلقة مفرغة أو التكرار بل يعني نموا مطردا وتقدمامستمرا.
