الشك بين ديكارت والامام الغزالي


القاعدة الأولى
)قاعدة البداهة(: «أن لا أتلق عل الإطلاق شيئا عل أنه حق ما دمت لم أتبين بالبداهة أنه كذلك، أي
أن أعني بتجنب التعجل والتشبث بالأحكام السابقة، وأن لا أدخل في أحكامي إلا ما
يتمثل لعقلي في وضوح وتميز». ويعني ذلك الإدراك بالحدس المباشر أو الاستنباط وأن
نقصي من دائرة العلم ليس فقط جميع الوقائع التاريخية بل أيضا كل معن يستلزمه تفسير الظواهر الطبيعية ولا نتمثله أو
نتخيله، ويرى البعض أن هذه القاعدة عبارة عن إعلان حرية الفكر وإعلان ثورته
عل كل العقائد ليعبر عن تفوق إدراكه.
الأستاذ:يونس لقرع
يعتبر الشك «التردد بين نقيضين
لا يرجح العقل أحدهما عل الآخر وذلك لوجود
أمارات متساوية في الحكمين أو لعدم وجود أية أمارة فيهما»1 وينقسم
الشك إل شك مذهبي وشك منهجي.
ا – الشك المذهبي: وهو الذي
نادت به جماعة الشكاك وعل رأسها )بيرون(
ويعني الشك المذهبي اعتماد الشك لذاته مذهبا أي الشك من أجل الشك وهو ما يعني
تعليق الحكم ونفي الحقيقة بشكل مطلق.
ب – الشك المنهجي: وقد استخدمه
كل من حجة الإسلام الغزالي وديكارت.
1


–
الغزالي )034-343هـ( يقول الغزالي عن طبيعة اليقين الذي يبحث عنه في رحلته الشكية
«إن العلم اليقيني هو الذي ينكشف فيه المعلوم انكشافا لا يبق معه ريب، ولا يقارنه إمكان الغلط والوهم، ولا
يتسع القلب لتقدير ذلك بل الأمان من الخطإ ينبغي أن يكون مقارنا لليقين مقارنة أو
تحديا بإظهار بطلانه –مثلا- من يقلب الحجر ذهبا والعصا ثعبانا لم يورث ذلك شكا
وإنكارا، فإني إذا علمت أن العشرة أكثر من الثلاثة فلو قال لي قائل: لا، بل
الثلاثة أكبر بدليل أني أقلب هذه العصا ثعبانا وقلبها، وشاهدت ذلك منه لم أشك
-بسببه – في معرفتي، ولم يحصل لي منه إلا التعجب من كيفية قدرته عليه، فأما الشك
فيما علمته فلا، ثم علمت أن كل ما لا ألعمه عل
هذا الوجه ولا أتيقن عل هذا النوع
من اليقين فهو علم لا ثقة به ولا أمان معه، وكل علم لا أمان معه فليس بعلم يقيني»2.
ويقول الغزالي كذلك: إن من لم
يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر ،ومن لم يبصر بقي في العم والضلال.
2
–
ديكارت: مثلت الفلسفة الديكارتية ثورة في مجال الفكر الفلسفي ،عندما ركزت عل أهمية اكتشاف الفكر لقيمته وتخليص العقل من كل
الأفكار المسبقة والآراء السائدة، ولكن ذلك لا يتم إلا باتباع منهج واضح يساعد
العقل في تجنب الخطأ.
1
- معجم
الفلسفة د/ جميل صليبا
2
- المنقذ
من الضلال الغزالي
ويحدد ديكارت طبيعة هذا المنهج
الذي لن يكون استقرائيا لأنالاستقراء يوصلنا إل
معارف متفرقة غير يقينية، وإذا كان اليقين يتجل فيوضوح المعاني وتسلسلها عل ما نرى في الرياضيات، فإن المنهج لابد أنيكون
استنباطيا أي ينتقل من البسيط إل المركب
الغامض وهذا «هو المنهج الوحيد المشروع لأن العقل واحد ويسير عل نحو واحد في جميع الموضوعات»)[1](.
فالعقل في نظر ديكارت أعدل
قسمة بين الناس أو هو أكثر توزعا بين الناس والفرق بين الجميع يكون في توظيفه.
وليستيقن هذا العقل ويبتعد عن الخطأ عليه أن يعتمد أربع خطوات تمثل
المنهج عند ديكارت وهي:
القاعدة الثانية: أو )قاعدة
التحليل(: «أن أقسم كل واحدة من المعضلات التي أبحثها إل عدد من الأجزاء الممكنة واللازمة لحلها عل أحسن وجه». أي أن أذهب من المركب إل بسائطه ومن الكل إل أجزائه.
القاعدة الثالثة أو )قاعدة التركيب(:
«أن أسير بأفكاري بنظام فأبدأ بأبسط الموضوعات وأسهلها معرفة، وأرتقي بالتدرج
إل أكثر الموضوعات تركيبا، فأرضا النظام
حت بين الأمور التي لا تتال بالطبع». وهنا يتدخل العقل إذ لا يقوم العلم
إلا عل النظام.
القاعدة الرابعة أو قاعدة
)الإحصاء والمراجعة(: «أن أقوم في كل مسألة بإحصاءات شاملة، سواء في الفحص عل الحدود الوسط
أو في استعراض عناصر المسألة، بحيث أتحقق أنني لم أغفل شيئا». هذه
القاعدةتمكن من تحقيق القاعدة السابقة وتهدف إل
استيعاب كل ما يتصل بمسألة معينة، وترتيب العناصر التي يتوصل إليها.
ويرى يوسف كرم بأن:
«المنهج
عند ديكارت يبين القواعد العملية التي يجب اتباعها لإقامة العلم، ولا يحلل أفعال
العقل ويدلل عل صدقها ومواطن الخطإ فيها»)[2](.
يعتمد المنهج عند ديكارت
عل مبدإ الشك واليقين، حينما تكون عقولنا
محكومة بأحكام مسبقة ورثناها منذ الطفولة، أو تلك المستقاة من الحس، هنا لابد من
الشك كطريقة للوصول إل ما هو يقيني.
