
يوتوبيا الماضي المتوَهَّمة / إرادة العبوديّة .✍ جلال جبارين ( فلسطين )
كلّ مجتمعٍ يتعرقلُ بمطبٍّ حياتيّ، فإنّه يعمل على تجنيد جميع العلوم الطّبيعية والمجتمعيّة، بأشكالها المتعدّدة والمتطوّرة والحداثيّة، لمواجهة ذلك المطب . إلّا نحن، فكلّما وقعتْ مجتمعات الشرق - الأوسط - في مأزق وعقبة - بغضّ النظر عن شكلها - ذهبوا إلى أطلال نوستالجيا الماضي الموهوم لفك شيفرة المشكلة الواقعة في وضعهم الرّاهن .
هذه العقليّة - صاحبة بنيويّات التّخلف الممتازة - لطالما افترضتْ في الحنين المزيّف نحو الماضي، حَلاًّ لتحديّاتٍ وورطاتٍ آنيّة . فعلى سبيل المثال وفي عام ١٩٢٨، ذهبَ الإخوان المسلمين، إلى خلق كليشه بعنوان " الإسلام هو الحل " حتّى باتت مثل هذه اللّافتات بالنسبة لوعي الفرد العربي حتى في القرن الحادي والعشرين ، هي مفتاح بوابة اليوتوبيا المفقودة لحل جميع أشكال الإنحطاط والفساد والتخلّف واللاثقافة التي تواجه واقعنا التعيس والهشّ هذا اليوم .
إنّ الزّمان يتقلّب، والحياة تُبدّلُ جِلدها بين فجرٍ وضحاه، ومن لم يتمكّن من تطوير جلده اليوم بما يتوافق مع شروط الواقع، فإنّ مشكلاته ستزيد حتّى تُصاب جلدته بالضمور ثمّ الجفاف ثمّ الفناء، خاصّةً إنْ بقيَتْ تتغنّى بالماضي الذي يرونه ورديّا من وجهةِ نظرهم، و - دمويّا - من وجهة نظر الحقيقة التي تستند لعدّة مراجع ومرجعيّات .
من لم يتفاعل بمرونة مع واقعه، ومن لم يُطالع ويقرأ ويفكّك واقعه جيّداً، ومن لم يتابع سلك الإنفتاح على الآخر، فسيبقى مُخلِّدًا ومخلّدًا للعبودية القديمة، رغم أنّ العبودية القديمة باتت في وعي العربي، منطلقًا ابستمولوجيًا لتطهير مايكروبات حياته الحاليّة .
فوجهُ الحاكم الفاسد، هو صورة انعكاسيّة وضمنيّة لوجه مُنتَخِبه، وكلاهما مؤخّرتان فاسدتان لكرسيٍّ واحد . وصورة المؤسّسة الفاسدة بشكلٍ جليّ، هي ذاتها، أعراض المنظومة الهرمية ككل . وثقافة الطّالب الضحلة، من ثقافة معلّمه وأسرته ومجتمعه .
لا أقول أنّ الأمل معدوم، لكن ..
كلّ شيءٍ يبدو في تدهورٍ وانحطاطٍ وتحلّلٍ نحو الفناء، بدايةً من الأسرة، وانتهاءً بمستوى التّعليم والثقافة . إننا نحتاج لثلاثة قرون لكي نلحق الرّكب . لقد احتلَّ الغرب - الكافر . الزنديق . الماسوني - القمر وبعد سنين، كواكبًا أخرى . ولا زالتْ عقولنا العاشقة لوحي الماضي، تؤلّف الكتب المكدّسة في الحيض والنفاس والطهارة والفرج، بل وتأسيس كامل وشامل لمركبة زمنيّة تعيدنا من جديد للقديم التّالف .
مشاكل اليوم، لا تُحلُّ بأدوات واقع الماضي، وعجلةُ المركبة الحديثة، لا تقبل الإطار الخشبيّ للسّير في طرقٍ وعرة . والسّوسة يعالجها طبيب الأسنان بانتزاع العصب، لا بالصّبر عليها ومداواتها بالسّواك . فالطريق القديمة تغيّرت، والأرض تبدّلت، والحال تغيّر، والزّمانُ الذي لا يمرُّ بلا فهم ونقدٍ له، لن يرحم من هُم فيه .
إنّ لي رأي صريح بسياسات غربيّة واسعة، تحوّل فيها البشرّي، لروبوت بلا حسٍّ، كما لا يمكن إنكار تدخّل أصابع الصهيونية والغرب في أحوالنا . لكن هذا موضوع آخر . فالمساءلة هنا لا تقع فقط على تدخّلهم، بل تقع وبشكلٍ أكبر على من سمح ومهّدَ وزيّن لهم طريقَ التّدخل . أمّا المقارنة التي أعقدها بين الثّقافتيْن، هي مقارنة علم ووعي وتطوّر واحترامٍ للإنسان .
لكن كخلاصة، ما دمنا لا نقرأ، ولا نبحث، ولا نسمح حتّى بالقراءة والنقد لكلّ أشكال الحياة الحالية بمؤسساتها الخاصة والحكومية مجتمعيّا ودينيّا وسياسيّا واقتصاديّا، فإنّنا سنبقى نعامل الحاكم إلهًا لا موظّفا، وكتب الماضي المكدّسة، هي كتب المستقبل، كما سنبقى نسبحُ في البراز الفكري، حتّى نختنق به ليبني الغرب قصورهم المخطّط لها واليوتوبيا الخاصّة بهم على هياكل جثثنا .