كل
ممارسة سياسية في الدول الديمقراطية تهدف
الى تحقيق الحق والعدالة،حيث تطرح هذه
القولة اشكالية عويصة تهم الأساس الذي يقوم عليه الحق،فالحق
يشكل غاية كل فرد يعيش داخل الدولة،ولكن الحصول عليه يتوقف على مساءلة الأساس الذي
يقوم عليه ،فهو من المفاهيم التي يكثر ويسهل تداولها في حياتنا لكن في نفس الوقت من
المفاهيم الصعبة حين نفكر فيها،فمساءلة أساس الحق يقودنا في مفارقة أساسية شغلت بال المهتمين بالمجال القانوني والفلسفي،بين من يعتبر
الحقوق التي يتمتع بها الانسان كالحرية والمساواة وغيرها محايثة للطبيعة الإنسانية
وبين من يعتبرها نابعة من ارادة المشرع وذلك لانها ترتبط بظروف المجتمع وثقافته.لذلك
نتساءل:هل أساس الحق طبيعي مرتبط
بالطبيعة الإنسانية أم يرتبط بما هو وضعي ثقافي وبالتالي يظل نسبيا؟وما الأساس
الذي يجعل الحق قويا؟ومتى نتحدث عن القوة كأساس للحق؟
يجرنا
تحليل هذه القولة في مستوى أول الى تحديد أطروحتها التي يمكن
أن نقول من خلالها أن صاحب القولة يربط الديمقراطية بقوة الحق الذي يتمتع به الفرد
داخل دولته ومتجاوزا حق القوة الذي كان سائدا في حالة ما قبل الدولة،فالفرد داخل
الدول الديمقراطية يتمتع بحقوقه طبقا لقوانين تشرعها المؤسسات المكلفة بذلك وهو ما
ينظم سلوك الفرد في علاقته بالأفراد الآخرين ويمنع أي تجاوز وأي انتهاك ،ويمنع
كذلك استعمال القوة للدفاع عن الحقوق أو استرجاعها،حيث يجرنا الحديث عن حق القوة
الى المملكة الحيوانية حيث الأساس الوحيد للحق هو القوة،أي أن لدى كل كائن مساحة
من الحق تمتد بامتداد قوته أو بعبارة أخرى كلما كنت أقوى كانت حقوقك أكبر،وحيث هذا
الحق يجر الى الحرب والصراع والظلم،لذلك جاء اتفاق الأفراد على الانتقال الى قوة
الحق أي الخضوع لقوانين يتفقون عليها لتجاوز الحالة السابقة ،فتأسيس الحق على
القوة هو تدمير له.
وفي مستوى ثاني تتضمن القولة مجموعة من المفاهيم أبرزها
الديمقراطية وتشير الى الدول التي يشارك أفرادها في اتخاذ القرارات التي تهمهم وأن
الحاكم ليس سوى حلقة من حلقات أخرى لبناء دولة الحق والعدالة،كما يشير مفهوم قوة الحق الى مجموع
الحق التي تشرعها الدولة لضمان العيش المشترك بين أفرادها وتمتع أفرادها بما
يطمحون اليه،عكس حق القوة فيشير إلى
الحق الطبيعي بوصفه المبادئ العليا والقوانين الثابتة والكونية وما هو مشروع للإنسان
طبقا لطبيعته والذي يستند الى القوة لتحقيقه ،و من خلال شرحنا لهذه المفاهيم
يتبين أن العلاقة بينها كون العدالة في الأنظمة
الديمقراطية تتعارض مع حق القوة وتتأسس على قوة الحق .وتتضمن القولة حجاجا معتمدا قائم على (النفي ) ويتجلى في نفي صاحب القولة تأسيس الحق في الدول الديمقراطية على القوة (ليس حق القوة)،كما يمكن الإستشهاد بشهادة الواقع نفسه حيث يتضح
بالملموس أن الانسان كل ما كان صاحب نفوذ وصاحب قوة يسعى الى الهيمنة على الأخر
وبسط نفوذه من أجل انتهاك حقوق الآخرين ،لذلك فالإنسان يحتاج الى قوة اكراه تلزمه
وهو ما يتجسد في قوة القانون الذي يخضع اليه الجميع ،تجنبا لصراع بين الأفراد قد تكون
نهايته القضاء على النوع البشري.
بالتالي قيمة هذه الأطروحة تتمثل في كون صاحبها حاول أن يؤسس الحق على ما هو
وضعي عبر خضوع الأفراد لقوة الحق والقوانين التي تشرعها الدولة ،لكنه أغفل أن الحق الوضعي قد يكون ظالما اذا لم
يراعي المشرع مصلحة الأفراد وهو الأمر الذي يجرنا الى مساءلة أصحاب
الوضعانية-الحقوقية ،هل تأسيس الحق على ماهو هو وضعي يؤدي بالضرورة الى تحقيق
العدالة؟ ألا يجب أن يكون الحق الطبعي هو الموجه والأساس الذي ننطلق منه لوضع
الحقوق المدنية؟وهل يستنفذ الحق الوضعي العدالة أم أن العدالة قيمة عليا ومعيار
كوني؟
إن المثال
التقليدي الذي يحضر،عندما نطرح هذه التساؤلات ،هو مثال سوفوكليس المسماة "أنتغيون"
البطلة التراجيدية التي تمردت على قوانين خالها الملك"كريون" باسم حق
طبيعي وعدالة سامية،فقامت بدفن جثة أخيها الذي كان كريون قد أصدر قرارا في حقه
يمنع مراسيم طقوس دفنه،لأنه اعتبره خائنا.فدفاع "أنتيغون" يستند الى أن
هناك حقوق طبيعية للإنسان سابقة وأن الحقوق الوضعية ظالمة أحيانا،وهذا ما يجرنا إلى
العودة مجددا الى مسائلة أساس الحق،ولمعالجة ذلك نستحضر
التصور التعاقدي للدولة عند طوماس هوبز ،الذي يذهب الى أن الحق الطبيعي في
الحياة يشكل أساس التعاقد الذي اضطر اليه الافراد للخروج من حالة الطبيعة وحالة
الحرب المزرية والانتقال الى حالة السلم عن طريق تفويض تدبير أمورهم لسلطة الحكم
المطلق للحاكم لنقلهم من حالة الحرب المزرية وحالة العنف الموجودة في الطبيعة الى
الحالة المدنية(الدولة) لتحقيق الأمن والسلم،وهو نفس الأمر الذي طرحه جون لوك رغم
اختلافه مع هوبز في تصوره لحالة الطبيعة ،فانتقال الأفراد الى الحالة المدنية حسب
جون لوك هو من أجل استرجاع الحقوق الطبيعية (الحرية والمساواة)الذي هددتها فئة
قليلة داخل الحالة الطبيعية،وبالتالي فالتصور التعاقدي يؤسس الحق على ماهو طبيعي
في الإنسان ولكن ليس من منطلق القوة والعنف ولكن من منطلق الحق في الحالة المدنية
التي تأسس من خلال تفكير الإنسان على تأسيس القانون،وتصور ما يجب أن يكون لتجاوز
حالة الطبيعة وبالتالي تحقيق العدالة.
لكن
في الجهة الرافضة لتأسيس الحق على ماهو طبيعي وعلى العدالة كقمة عليا يقف التصور
الوضعي مع ممثله هانز كلسون الذي يرفض وجود الحق الطبيعي أو العدالة كقيمة
عليا،فلا وجود لمعيار سام للحق،والدليل على عدم وجود هذا المعيار هو اختلاف الناس
في القيم العليا التي يعتبرونها تحقق العدالة فما يحسبه البعض شرا يراه الأخر خيرا،ولهذا
سنجد البعض يرى أن النظام الاشتراكي منظومة غير عادلة لأنها لا تضمن الحرية
الفردية،والبعض سيراه عادلا ما دام يضمن الأمن الاجتماعي ،فما يجعل الحق هو ضامن
للعدالة حسب (هانز كلسونkelson) هو أنه يتم انشاؤه ولا
وجود لمعيار سابق،ويستمد مشروعيته من ذاته،فيعرفه على أنه"منظومة من القواعد
تكمن وظيفها في ضبط العلاقات بين الناس"،وبناء على ذلك حسب كلسون يجب تميز
المجال الحقوقي عن المجال الأخلاقي ،"فالحق هو إكراه خارجي"أما
"الأخلاق فهي إلزام داخلي".
هكذا نخلص الى أن مفهوم العدالة في
نظرية الحق الطبيعي عبارة عن معيار موجه للسلوك،إنها معيار نقيس بواسطته مدى
مشروعية النظام القائم كما يسمح بانتقاد ورفض ما قد يسنه هذا النظام،فإشكالية اساس
الحق ستخلق اختلافا بين الفلاسفة ،حيث وجدنا صاحب القولة التي قمنا بتحليل ومناقشة
منطوقها أنه يبني الحق على أساس مدني لتجاوز حق القوة،وهو ما دافع عنه فلاسفة
العقد الإجتماعي(هوبز-لوك) مع الإحتفاظ بالحق كقيمة عليا تسعى الى تحقيقها الأنظمة
السياسية في الحالة المدنية،كالحق الطبيعي في الحياة عند هوبز وحق المساواة
والحرية عند لوك،وهناك من رفض تأسيس الحق على ماهو طبيعي كهانز كلسون الذي دافع
على الحق الوضعي دون أي معيار سامي يوجهه لكونه محط اختلاف بين الناس،وقبل أن نختم رأينا في هذه الإشكالية هو أن تأسيس الحق على
ماهو وضعي يستدعي بالضرورة معيارا كونيا يوجهه ويصححه ،خصوصا وأن ارادة المشرع قد
تنزلق ضد مصلحة الأفراد عبر تغليب ما هو شخصي.
الأستاذ:يونس لقرع