-->
U3F1ZWV6ZTE1MTMzMjgyNzU2X0FjdGl2YXRpb24xNzE0MzkyMTY1MTU=
recent
أخبار ساخنة

مفهومي الحق والعدالة:دروس الثانية بكالوريا

مفهومي الحق والعدالة:دروس الثانية بكالوريا

تقديم اشكالي للمفهوم

يقع " الحق " في صميم إنسانية الكائن البشري ، وفي صلب بعده الاجتماعي ، وهذا ما يجعل المفهوم غني الدلالات ، مكثف التداول والتوظيف ، متعدد الاستعمال ضمن حقول معرفية متنوعة .

                I.      الدلالات والإشكالية   :

1-         الدلالة  المتداولة  :
يختلف مفهوم  " الحق "  في الدلالة المتداولة  باختلاف السياق الذي يرد فيه هذا المفهوم ، فهو يعني الحقيقة و الصواب ، النصيب والقسمة ، العدل والانصاف ...

2-  الدلالة اللغوية  :
أ-  في اللغة العربية   :
يتم ربط كلمة الحق باليقين ، وبما يجب أن يكون إما   لصدقه أو لاستقامته .

ب- في اللغة الفرنسية  :
يمثل الحق  " القدرة على الفعل و الاستمتاع بشيء ، والاستفادة منه أو إلزام الغير به ، بناء على تشريع صريح أو مسكوت عنه ، وهو ملزم يجب فعله لكون القانون والأخلاق يفرضان العمل به باعتباره مستقيما وقويما في مقابل الخطأ والباطل .

3-  الدلالة الفلسفية   :
إن الحق يكمن في وجوب قبول واحترام حرية كل فرد – ككيان مجرد -  طبقا لقانون كوني يهدف إلى الحفاظ على توازن للقوى الذي يرضي مختلف الأطراف .
4-  الإشكالية الفلسفية :
يمكن صياغة جانب من إشكالية الحق في التساؤلات التالية  :
-      على  أي أساس ينبني مفهوم الحق ؟  هل على ما تقتضيه طبيعة الانسان ؟  أم على ما هو ثقافي أي ما تستلزمه الحياة داخل الجماعة ؟
-       من أين يستمد الحق جاذبيته وقوته على الإلزام ؟  هل من سلطة كامنة فيه أم من سلطة الإكراه التي يتدبرها المجتمع ؟

المحور الأول: الحق بين الطبيعي والوضعي

الطرح الإشكالي:
إن كان الحق الوضعي هو مجموع الحقوق المنصوصة في القوانين المكتوبة والعادات الثابتة " وكان "الحق الطبيعي هو "مجموع الحقوق اللازمة عن طبيعة الإنسان من حيث هو إنسان"(جلال الدين سعيد ص 148) فإن التساؤل الذي يفرض نفسه يتعلق بالأساس الذي ينبغي أن ينبني عليه الحق. فهل أساس الحق طبيعي ، أم أنه وضعي؟ ثم هل الحق يمكن أن يقوم على أسس كونية تتوافق والطبيعة البشرية؟ أليس الحق خاضعا للاعتبارات السوسيوثقافية النسبية؟

1-اطروحة 'توماس هويز'(1588-1679)

- يعتبر الفيلسوف الانجليزي 'توماس' ان الانسان في حالة الطبيعة له حق مطلق و غير محدود في فعل كل ما يريد للتمتع بحياته. لدلك يعرف الحق الطبيعي كالتالي «الحق الطبيعي هوالحرية لكل انسان في ان يتصرف كما يشاء في امكاناته الخاصة للمحافظة على حياته» اي ان الانسان له الحق في كل شئ لان حالة الطبيعة هي حرب الكل ضد الكل، حالة صراع وفوضى ،ولكل فرد الحق في استعمال كل الوسائل الممكنة (المكر/الخداع/...)، لان الانسان بحكم طبيعته عدواني اوكمايقول'هويز'«الإنسان ذئب لاخيه الانسان». ففي نظر 'هويز' ان استمرار هدا الحق المطلق يهدد امن الانسان ولن يتمكن احد من ان يبلغ حدود الحياة التي تسمح بها عادة طبيعة البشر، وبالتالي سيبحث الناس عن السلم و يتجاوزون حالة الصراع و الحرب.ويتم دالك بتخلي الناس عن حقوقهم الطبيعية لفائدة سلطة مطلقة يمثلها الحاكم الواحد المستبد يسميه الليفيتان (التنين) مقابل تمتعهم بالسلم والامان.

2- اطروحة هانز كيلسن (11 أكتوبر 1881 - 19 أبريل 1973

 -يرفض هانز كيلسن – من منظور وضعاني – وجود معايير أو قيم كونية مشتركة بين المجتمعات البشرية. فالحق بهذا المعنى يقووم على أساس وضعي، يتغير من مجتمع إلى آخر. فإذا كانت المجتمعات الليبرالية تعترف للفرد بحقه في التملك (ضمانا لحرية الملكية)، فإن المجتمعات ذات التنظيم الشيوعي لا تقر للفرد ذلك الحق (إقرارا للأمن الاجتماعي). ولأن العدالة، وكل الأحكام الأخلاقية، تظل نسبية، فكل مجتمع يعتبر نفسه مجتمعا عادلا.فالحق عند كيلسن هو منظومة من القواعد التي تم انشاؤها من أجل ضبط العلاقات بين الناس،فما يميزه أنه وضعي،ويميز كيلسن بين الحق الطبيعي باعتباره اكراه داخلي والحق الوضعي باعتباره اكراه خارجي.
تركيب: 
الحق اذن قانون اسمى يخضع الكل لسلطته، انه البديل الحضاري للعلاقات القائمة على الموت و العنف ،ان فكرة الحق ما كان لها ان تبرز الا حينما انتقل الانسان الى حالة المجتمع المدني هدا الانتقال ربط الحق بمؤسسة الدولة و بالتالي بالقانون الدي يلزم الكل باحترامه.

المحور الثاني:العدالة كأساس للحق 

الطرح الاشكالي:
 تبلور مفهوم دولة الحق منذ القرن التاسع عشر لكي يعارض  الدولة في أشكالها التسلطية أو القمعية  état autoritaire  أي دولة الرقابة البوليسية، حيث تستند الدولة الإستبدادية إلى معايير اعتباطية في ممارسة
السلطة مع عدم احترام الحريات الفردية وعدم حماية الحقوق  الأساسية، وهو ما يجعلها فوق المرجعية القانونية والدستورية، ففي هذا الشكل من الدولة لا وجود لسلطة مضادة لسلطتها ولا لقانون مضاد لقوتها، وهو ما تضيع معه الحقوق وتغيب معه العدالة، لذلك يوجد فصل بين السلطات وتوجد سلطة الرأي العام، فلا يمكن مقاومة قانون القوة إلا بقوة القانون وهو ما يعني فرض رقابة قانونية وقضائية وحقوقية على آليات ممارسة السلطة للحد من الإفراط في استعمالها، وهو ما يبين أنه رغم الآمال التي عقدت على الخروج من حالة الطبيعة القانون (الحق الطبيعي) إلى حالة التعاقد (القانون الطبيعي) فإن أن ضمان الحقوق يحتاج لجهاز يعمل على مراقبة ذلك خوفا من توجيه القوانين لخدمة فئة على حساب فئات اجتماعية أخرى وفي هذا السياق يصبح التساؤل مشروعا:ما علاقة العدالة بالحق؟ وأيهما يؤسس الآخر هل الحق يؤسس العدالة أم العدالة تؤسس الحق؟ ومن أين يستمد الحق مشروعيته، هل من قوة القانون والمؤسسات، أم من قوة الأفراد والخطابات المهيمنة؟ وما هي طبيعة العلاقة بين الحق والعدالة، هل هي علاقة تكامل أم تنافر؟ 

1- باروخ اسبينوزا /العدالة تتأسس على الحق المدني الذي تمثله قوانين الدولة

 تصور باروخ اسبينوزا أن هناك مبدأ تقوم عليه الدولة الديمقراطية، وهو تحقيق الأمن والسلام للأفراد عن طريق وضع قوانين عقلية تمكن من تجاوز قوانين الشهوة التي هي المصدر الأساسي لكل الكراهية والفوضى. من هنا يتحدث اسبينوزا عن القانون المدني الذي تحدده السلطة العليا،والذي يجب على الأفراد احترامه للمحافظة على حرياتهم ومصالحهم المشتركة. وهذا القانون هو الذي تتجسد من خلاله العدالة التي تتمثل في إعطاء كل ذي حق حقه. ولهذا يدعو اسبينوزا القضاة المكلفين بتطبيق القانون إلى معاملة الناس بالمساواة والإنصاف، من أجل ضمان حقوق الجميع، وعدم التمييز بينهم على أي أساس طبقي أو عرقي أو غيره.هكذا يبدوا أنه لا يمكن تصور عدالة خارج إطار مبادئ العقل المجسدة في القانون المدني الذي تتكفل الدولة بتطبيقه، كما لا يمكن تصور تمتع لناس بحقوقهم خارج قوانين العدالة. فالعدالة والحالة هاته، هي تجسيد للحق وتحقيق له؛ إذ لا يوجد حق خارج عدالة قوانين الدولة. أما خارج هذه القوانين التي يضعها العقل، فإننا نكون بإزاء العودة إلى عدالة الطبيعة التي استحال فيها تمتع الجميع بحقوقهم المشروعة في الحرية والأمن والاستقرار.

2- موقف شيشرون:لا يتأسس الحق على القانون دائما

- على النقيض باروخ اسبينوزا  يرى شيشرون أن القوانين والمؤسسات لا تضمن بأي شكل من الأشكال قيام مجتمع عادل، ويعود ذلك إلى أن المشرع قادر على فرض قوانينه على الشعب، ليس لأنه يهدف من ورائها إلى إشاعة العدل والمساواة بين الناس، ولكن فقط لغرض تحقيق منافع خاصة به،وهكذا فتحقيق العدالة لن يتم مالم يتم تأسيسها على الطبيعة، باعتبارها الأساس الوحيد الذي يضمن لها البقاء والثبات، وأنه مهما تكن درجة متانة القوانين وصلابتها فإنها لن تحقق العدالة لأن من يضع القانون لا يضعه غالبا من أجل خدمة الشعب بل لخدمة مصالحه الخاصة، مما يجعل القانون أداة في خدمة طبقة تستخدمه من أجل إرغام الجميع للخضوع إليها، وهكذا فالطبيعة هي الأساس الذي يمكّن الإنسان من التمييز بين القبيح والجميل دون العودة إلى أي عنصر آخر وفي هذا الصدد يقول شيشرون "لا يوجد عبث أكثر من الاعتقاد بأن ما هو منظم بواسطة المؤسسات أو قوانين الشعوب عادل ".

المحور الثالث:العدالة بين المساواة والإنصاف

 الطرح الاشكالي:
  إذا كان الحق قد ابتكر من أجل تقويم السلوك والقضاء على الفروق القائمة بين الناس في حالة الطبيعة، فهو يفترض أن المساواة أساس العدالة، ومن يقول غير ذلك فإنما يقول "قولا بئيسا" -حسب ألان -فهل المساواة تؤدي إلى إنصاف الجميع؟ ألا يمكن للمساواة نفسها أن تكون ظلما؟ ألا يمكن أن تكون هي الأخرى "تأسيسا للبؤس"وبالتالي ضد التميز الايجابي؟

أ- العدالة كتجسيد للمساواة"أرسطو"

إن العدالة – في نظر أرسطو – تعني المساواة. وهي بذلك تسمى إنصافا، وهكذا نكون أمام نوعين من العدالة:
عدالة توزيعية: وتعني توزيع خيرات، وثروات المجتمع على أفراده حسب طاقاتهم وأعمالهم
عدالة تعويضية: وتتمثل في تنظيم المعاملات بين أفراد المجتمع على أساس الأعراف والقوانين. وهدفها هو تصحيح السلوك الخارج عما تحدده القوانين. فهي عدالة تعاقب المجرم، وتعوض أولئك الذين يذهبون ضحايا تطبيق القانون.

ب- موقف شيشرون

إن مطلب المساواة المطلقة – حسب ماكس شيلر – هو مطلب الضعفاء والفاشلين، صادر عن رغبتهم في إنزال العظماء والناجحين إلى مستوى الأشخاص العاديين، أو الذين هم في أسفل درجات السلم. فما من أحد ينشد المساواة، حينما يشعر بأنه يمتلك قوة أو نعمة تتيح له أن يتفوق على الآخرين. أما الذي يخشى الخسارة فهو وحده ينشد العدالة والمساواة العامة
إن مطلب المساواة المطلقة – في نظر شيلر – يصدر بالتأكيد عن شعور بالكراهية والحقد، وبالتالي فإنه مطلب جائر.

      ج- موقف راولز

  لقدانتبه "جون راولز" لهذا الاشكال الذي تطرحه علاقة العدالة بالانصاف و المساواة, فبين أن المبادئ الأساسية التي تقوم عليها العدالة في المجتمع تستمد من المساواة في الحقوق و الواجبات, و اللامساواة في الثروة و السلطة. فمن العدالة أن توجد لا مساواة على مستوى السلطة و الثروة شريطة توزيع الامتيازات واقتسامها بطريقة تضمن التعاون الارادي لكل أفراد المجتمع حتى يتحقق رخاء المجتمع ويستفيد الكل من هذا الرخاء وتلك الثروة و السلطة.
يظهر مما سبق أن الانصاف باعتباره الضامن الوحيد للمساواة بين الأفراد فيما بينهم أساسي لتحقيق العدالة.
ذلك أن هذه الأخيرة يمكن أن تقع في أخطاء وتنحرف, وبالتالي فأن هذه القاعدة عندما تغدو مرجعية شمولية, آنذاك يتحقق الحق كشرط أساسي لبلوغ العدالة.

 





الاسمبريد إلكترونيرسالة