-->
U3F1ZWV6ZTE1MTMzMjgyNzU2X0FjdGl2YXRpb24xNzE0MzkyMTY1MTU=
recent
أخبار ساخنة

مفهوم الحقيقة - دروس السنة الثانية بكالوريا

مفهوم الحقيقة - دروس السنة الثانية بكالوريا

مفهوم الحقيقة - دروس السنة الثانية بكالوريا
مفهوم الحقيقة


    تمثل الحقيقة الرهان الأساسي لكل معرفة بشرية والغاية القصوى لكل ممارسة علمية: فمن أفلاطون إلى غاليلي ومن أرسطو إلى إنشتاين هناك دوما نفس الرهان، نفس الهاجس، رهان اكتشاف الحقيقة وهاجس قولها وتبليغها. ويكشف تاريخ الفلسفة عن تعدد وتنوع التصورات والدلالات التي اتخذها هذا المفهوم : فقد يشير مفهوم الحقيقة الى الموضوع الواقعي الموجود في العالم الخارجي وتعني هنا مطابقة الفكر للواقع او مطابقة ما في الاذهان لما في الاعيان  ويقابلها الوهم و الخيال . كما قد يشير الى ما تمت البرهنة عليه عقليا وتعني مطابقة الفكر مع نفسه ويقابلها الخطأ . ويمكن ان يحيل مفهوم الحقيقة الى الجوهر اي ان حقيقة الشيء هي جوهره الثابت ويقابلها الاعراض والصفات المتغيرة .وتعتبر الحقيقة ايضا بمثابة صفة تطلق على الاحكام و الاقوال وتعني الصدق فيقابلها الكذب .. هذا التعدد الدلالي جعل مفهوم الحقيقة يتسم بطابع اشكالي من حيث تكامله مع مفاهيم معينة ( الواقع . عدم التناقض . الجوهر. الصدق ..) او تعارض مع مفاهيم اخرى ( الوهم . الخيال . التناقض . الكذب . الاعراض . )
    وهو ما يجعلنا أمام جملة من الإشكاليات الفلسفية العميقة من قبيل: ما الحقيقة؟ أو بتعبير أدق ما حقيقة الحقيقة؟ ما معاييرها؟ ما طبيعة العلاقة القائمة بينها وبين الرأي والمعرفة العامية؟ هل نبحث عن الحقيقة لذاتها أم للمنافع التي نجنيها من ورائها؟
n    المحور الأول : الحقيقة و الرأي  
  عادة ما يتم التمييز في الفلسفة بين الرأي كمعرفة ذاتية ناقصة، وبين الحقيقة كمعرفة يقينية وموضوعية. فالرأي هو « الاعتقاد المحتمل، لا الاعتقاد اليقيني، وهو وسط بين الشك واليقين». كما يحيل الرأي إلى الاعتقاد الجماعي. ان الرأي هو اعتقاد يعوزه اليقين، وهو يرد في مقابل الحقيقة التي يفترض أنها يقينية ومبرهن عليها . لكن ما يلاحظ هنا هو أنه توجد الكثير من الآراء المتداولة تكتسي صبغة يقينية وحقيقية، بحيث يصعب على أصحابها الشك فيها، وبالمقابل نجد الكثير من الحقائق سواء العلمية أو الفلسفية لها طابع احتمالي ويتم تفنيدها وتجاوزها في الكثير من الأحيان . امام هذه المفارقة تطرح اشكالية العلاقة بين الحقيقة والراي . كيف تتحدد العلاقة بين الحقيقة والرأي؟ هل يمكن الفصل بينهما نهائيا؟ هل بينهما قطيعة أم استمرارية؟ وهل يمكن الدفاع عن الرأي باعتباره نمطا من أنماط الحقيقة؟ ألا يمكن للرأي أحيانا أن يكون له دور مهم في تشييد الحقيقة؟
Ø    معالجة الاشكالية :
الموقف الاول : الحقيقة تتجاوز الرأي وتشكل قطيعة معه.
أ‌موقف أفلاطون: للوصول إلى الحقيقة ينبغي تجاوز الرأي.
          يذهب أفلاطون إلى أن طريق بلوغ الحقيقة هو التأمل العقلي الذي يمكن الفيلسوف من تجاوز الآراء والمعتقدات السائدة، والارتقاء إلى عالم المثل من أجل إدراك الحقائق اليقينية والمطلقة. هكذا فالحواس حسب أفلاطون لا تمدنا سوى بالظلال أو الأوهام، التي هي مجرد أشباه حقائق أو آراء ظنية صادرة عن عامة الشعب، بينما تعتبر الفلسفة هي العلم الموضوعي بالحقيقة، وهي تعتمد على الجدل الصاعد كمنهج عقلي تأملي يتعارض تماما مع الآراء الظنية السائدة.
إذن فإدراك الحقيقة من طرف الفيلسوف يقتضي منه بالضرورة  تجاوز الآراء السائدة لدى الناس عن طريق استخدام التأمل العقلي الفلسفي الذي من شأنه تمكين الفيلسوف من بلوغ الحقيقة الموجودة في عالم المثل، والتي تشكل قطيعة تامة مع الآراء السائدة والتي تظل مجرد أوهام وأشباه حقائق.
ب_الموقف الثاني : ليبنتز- الرأي يتداخل مع الحقيقة ويصعب الفصل بينهما.

    إذا كان الكثير من الفلاسفة قد عملوا على تبخيس الرأي واعتبروه عائقا أمام الوصول إلى الحقيقة، مثل أفلاطون وديكارت وباشلار، فإن هناك بعض الفلاسفة الآخرين حاولوا إعادة الاعتبار للرأي باعتباره يشكل معرفة ويلعب دورا مهما في تطوير المعرفة البشرية، اذ نجد :
الألماني ليبنتز يؤكد أن الرأي معرفة ذات طبيعة احتمالية. و بذلك فهو لا يتعارض مع المعرفة البرهانية و الحقيقة. لأنه حينما نعجز عن الحسم في قضية ما بشكل قطعي، فإننا نلجأ إلى تحديد درجة الاحتمال لكي نصدر الحكم بطريقة عقلانية. و بذلك فإننا نكون في مجال الآراء. فالبحث في درجات الاحتمال هو ما تفتقر إليه الدراسات المنطقية العلمية أما احتقار الرأي و اعتبار الحقيقة مجرد يقين يؤدي الى اقصاء العديد من الحقول المعرفية كالمعرفة التاريخية و الاجتماعية ....

خلاصة عامة :
يستفاد من كل ما سبق بصدد اشكالية العلاقة بين الحقيقة و الرأي اننا امام موقفين متقابلين : موقف يدافع عن الآراء كأساس للاستدلالات العقلية . وموقف يرى بأنه لا يمكن الوصول الى الحقيقة إلا بتجاوز الآراء وإحداث قطيعة معها ..مما يعني ان هناك الحقيقة وهناك اللاحقيقة فكيف نميز بينهما ؟ ما معيار حقيقة ما ؟

n  المحور الثاني : معايير الحقيقة
   المعيار هو المقياس الذي ينبغي أن يكون عليه الشيء، وهو القاعدة التي نصدر من خلالها حكمنا عليه. إن المعيار إذن هو مقياس للحكم على الأشياء، وإذا طبقناه على مفهوم الحقيقة يمكن أن نتساءل: ما هو المعيار الذي يجعلنا نحكم على فكرة ما بأنها حقيقية؟ هل هو معيار عقلي ام تجريبي ام ان هناك معايير اخرى ؟
Ø    معالجة الاشكالية :
-         الموقف العقلاني :  معيار الحقيقة في بداهتها أو انسجامها المنطقي
    تتعارض الحقيقة عند ديكارت مع الرأي، إذ أنها تعتمد على المنهج وعلى قواعد عقلية صارمة يمكن اختصارها في أربع قواعد رئيسية: البداهة، التحليل، النظام والمراجعة. وتتأسس الأفكار البديهية على مبدأ الحدس، في حين تتأسس الأفكار الأخرى على مبدأ الاستنباط. هكذا يحدد ديكارت للحقيقة معيارين رئيسيين هما: البداهة والانسجام العقلي.فهناك أفكار واضحة متميزة في الذهن تدرك إدراكا حدسيا مباشرا، ولا يحتاج العقل لإثبات صحتها إلى براهين وأدلة عقلية، ولذلك فمعيار صحتها في بداهتها؛ بحيث يمكن القول هنا مع ديكارت بأن كل فكرة بديهية فهي فكرة حقيقية، كأن أدرك أنني موجود أو أن المثلث هو شكل ذو ثلاثة أضلاع او أن الكل أكبر من الجزء. وهناك أفكار نحتاج لإثبات صحتها إلى الاستدلال عليها عقليا، بحيث نستنبطها من الأفكار البديهية الأولية، ولذلك فمعيار صحتها يرتبط بمدى انسجامها المنطقي ومطابقتها لقواعد العقل ومبادئه.  ولذلك فالحقائق التي يتوصل إليها عن طريق الاستنباط لا تقل أهمية ويقينية عن الحقائق الحدسية الأولية، ما دامت صادرة عنها بواسطة حركة فكرية مترابطة ومتصلة تفضي إلى نتائج ضرورية. هكذا فمعيار حقيقة فكرة ما هو الحدس و الاستنباط .

-         الموقف التجريبي : الحقيقة العقلية و الحقيقة الواقعية
      يرى دافيـد هيوم أنه يمكن تقسيم كل موضوعات العقل الإنساني أو الأبحاث إلى نوعين : علاقة الأفكار فيما بينها والتي يمكن التأكد من صحتها بعملية فكرية دون أن تكون العلاقة متوقفة على شيء خارجي أي أن معيار صدق وصحة القضايا الرياضية هو تماسكها وعدم تناقضها ، و علاقة الأفكار بالواقع، وهي الموضوعات الثانية للعقل الإنساني، والتي يتوقف صدقها على مدى ملاءمتها ومطابقتها لموضوعها الخارجي . فالحقيقة الأولى عقلية أو صورية ، والحقيقة من النوع الثاني تجريبية.  لكن الاولى تبقى مجرد تحصيل حاصل و لا تضيف شيئا جديدا للعالم على خلاف النوع الثاني من موضوعات العقل الانساني .
-         الموقف السوسيولوجي السياسي للحقيقة ومعاييرها : معيار الحقيقة هو تطابقها مع السلطة
     يربط الفيلسوف المعاصر ميشيل فوكو بين الحقيقة و السلطة . فالحقيقة تقاس بإكراهات المجتمع و الثقافة . والحقيقي هو ما يتناسب مع  نظام ما ومع قواعده اما ما يخرج عن هذا النظام فهو غير حقيقي وبالتالي فحقيقة فكرة ا لم تعد تتحدد بمطابقتها للواقع التجريبي كما اعتقد التجريبيون ولا مطابقتها لقواعد العقل كما اعتقد العقلانيون وإنما مطابقتها انظام مجتمعي سياسي سائد وإلا فهي خطأ تعتبر خارج نظام الحقيقة . فالحقيقة هي مطابقة السلطة السياسية و الاقتصادية و الثقافية و الاجتماعية ... ( الفيلم القصير 2+2 تساوي 5 .
خلاصة عامة للمحور :
     تتعدد معايير الحقيقة وتختلف باختلاف الإتجاهات و المقاربات المؤطرة لها فقد تكون عقلية ( معيار مطابقة الفكر لنفسه ) وهو معيار كوني ومطلق او تجريبية ( معيار مطابقة الفكر مع الواقع ) وهو معيار نسبي او يكون معيارها خارجي كتطابقها مع السلطة و النظام مما يجعل منه ذو طبيعية نسبية  ...ويقودنا تعدد معايير الحقيقة الى التساؤل عن قيمتها : فلم نرغب في الحقيقة ؟
n المحور الثالث : الحقيقة بوصفها قيمة
          القيمة تطلق على كل ما هو جدير باهتمام المرء وعنايته... وقيمة الشيء من الناحية الذاتية هي الصفة التي تجعل ذلك الشيء مطلوبا ومرغوبا فيه. هكذا فالحديث عن قيمة الحقيقة يتعلق أساسا بخصائص تتميز بها الأفكار تجعلنا نهتم بها ونرغب فيها. من هنا يحق لنا التساؤل: ما الذي يجعلنا نرغب في الحقيقة؟ أين تكمن قيمتها بالنسبة لنا؟ هل لها قيمة في ذاتها أم أنها مجرد وسيلة لإشباع حاجات أخرى؟ وهل للحقيقة قيمة أخلاقية سامية ومطلقة أم قيمة نفعية نسبية؟
Ø    معالجة الاشكالية :
-         التصور الأخلاقي للحقيقة مع ايمانويل كانط
    يربط الفيلسوف ايمانويل كانط الحقيقة بالمجال الاخلاقي جاعلا من قول الحقيقة واجبا أخلاقيا يتعين الالتزام به بالفعل و الممارسة  وبالتالي للحقيقة قيمة أخلاقية عليا ومطلقة وغير مشروطة. وهي بذلك تنشد لذاتها كحقيقة موضوعية نزيهة وبعيدة عن المنفعة والمصلحة الخاصة. فالصدق واجب في ذاته، ويجب على الإنسان أن يقول الحقيقة ويسلكها مهما كانت الظروف والشروط "لأن الكذب مضر بالغير دائما، حتى إن لم يضر إنسانا بعينه فهو يضر الإنسانية قاطبة.
-         التصور البراجماتي النفعي للحقيقة مع وليم جيمس
      تكمن قيمة الحقيقة حسب الموقف البرجماتي المعاصر الذي يمثله وليام جيمس في كل ما هو نفعي، عملي ومفيد في تغيير الواقع والفكر معا. من هنا فالحقيقة ليست غاية في ذاتها، بل هي مجرد وسيلة لإشباع حاجات حيوية أخرى. والأفكار الحقيقية هي تلك التي نستطيع أن نستعملها وأن نتحقق منها واقعيا، أما الأفكار التي لا نستطيع أن نستعملها وأن نتأكد من صلاحيتها فهي خاطئة.
هكذا يقدم لنا وليام جيمس تصورا أداتيا للحقيقة، أصبحت معه هذه الأخيرة مجرد أداة للعمل وتحقيق منافع مختلفة قد تتغير بتغير الظروف والأحوال، مما يعطي للحقيقة طابعا نسبيا ومتجددا.

خلاصة عامة للمحور الثالث :
 على الرغم من ارتباط الحقيقة بقيم معرفية ونفعية , إلا أنها لم تفقد طابعها القيمي الأخلاقي 
تركيب عام للمفهوم

يتبين من خلال ما سبق ان التفكير الفلسفي في مفهوم الحقيقة يثير العديد من المفارقات من ناحية علاقتها بما يناقضها كالرأي او من ناحية معايير تمييزها عن اللاحقيقة او من ناحية قيمتها .. مما جعلنا نخلص الى ان الحقيقة من حيث هي قيمة فلسفية تتجاوز كونها قولا يطابق الواقع او ينسجم مع قواعد العقل لترتبط بمحددات اخرى كالسلطة و المنفعة و الاخلاق ..


الاسمبريد إلكترونيرسالة