تعريف الفلسفة
الأستاذ يونس لقرع
الأستاذ يونس لقرع
ما الفلسفة؟
)إشكالية التعريف(
الأستاذ:يونس لقرع
كلمة فلسفة في الاشتقاق اللغوي كلمة مركب من كلمتين
يونانيتين هما:
"فيلا" و "سوفيا" أي "محبة الحكمة"،
وعندما ترجم العرب الفلسفة اليونانية استعملوا كلمة "الحكمة" للتعبير
عنها، وكلمة "حكيم" للدلالة عل
الفيلسوف الذي هو "محب الحكمة"، إلا أن لفظ "فلسفة"
أصبح هو التعبير الشائع لدى
1
المشتغلين بالفلسفة(
).
إن هذا التعريف الاشتقاقي –
والذي أصبح متجاوزا- لن يفيدنا كثيرا في بلوغ ما نطمح إليه من توضيح مفهوم
"الفلسفة" التي قد يكون من أطرف تعريفاتها أنها «علم التعاريف»؛ حيث
تهتم بوضع تعاريف وحدود للأشياء التي تتخذها موضوعا لها.
إن وجه الغرابة في هذا يكمن في
أن الفلسفة التي تسع إل تعريف الأشياء مازالت تقف عاجزة عن تعريف ذاتها
تعريفا جامعا مانعا كما يقول المناطقة! إلا أن الأمر قد يبدو مفهوما ومقبولا إذا
عرفنا أنه لا توجد فلسفة واحدة وإنما فلسفات قد يساوي عددها عدد الفلاسفة أنفسهم،
والأمر هو ذاته بالنسبة للتعاريف! أضف إل
ذلك أن أي فيلسوف إنما يتعامل –في الغالب- مع "أشياء" غير
ملموسة، أي مع أفكار ومفاهيم وتصورات مجردة ،مما يستتبعه بالضرورة أن لا يكون
التعبير عنها عل درجة كافية من الوضوح،
خاصة وأن الفيلسوف إنما ينطلق في عمله، وتفكيره، وتعريفاته من اجتهاده الشخصي الذي
قد لا يتطابق مع الاجتهاد الشخصي لفيلسوف أو شخص آخر.
إلا أننا –رغم ذلك- نرى ضرورة
استعراض نماذج من تلك التعريفات، نظرا لما يتيحه ذلك للمبتدئين من تكوين تصور أولي
للموضوع الفلسفي كتوطئة لممارسة عملية "التفلسف" ذاتها.
1- دعائم الفلسفة –إدريس خضير– الدار
التونسية للنشر بتونس والمؤسسة الوطنية للكتاب بالجزائر ص11
وسنتناول تعريف الفلسفة من حيث
الدلالة الاصطلاح من خلال الحقب الفلسفية التاريخية:
الفلسفة
وليدة اليونانية:
يجمع نقاد الفكر الفلسفي
عل أن الفكر الفلسفي نشأ وازدهر في بلاد
اليونان ما بين القرن )6 و 3 قبل الميلاد( فقد حل الفيلسوف محل العراف والساحر وأصبح المواطن
اليوناني يفكر بذاته وشهدت المدينة اليونانية تطورا شمل كافة ميادين الحياة، فكان
من الممكن أن تسبق البطولة الأدبية البطولة الفلسفية، لكن وبفضل هذا التطور توفر
للإنسان اليوناني كل ما هو ضروري لسد حاجياته وتفرد بعض الناس للتفكير والتأمل وهم
من يسمون أنفسهم بالفلاسفة- محبي الحكمة، وكان بحثهم عن الحقيقة لذات الحقيقة وليس
لغايات أخرى كما يرى أرسطو.
ويعتبر العالم الرياضي اليوناني فيتاغورس (572-497 ق.م) أول من
نحت لفظ "فيلسوف" باعتباره "محب
الحكمة" والتي تعني «التعمق في التفكير والتأمل»، أما الرجل الحكيم فهو «ذلك
الشخص الذي يتحرر مما يشده إل الواقع
اليومي، وينسلخ من خضم الحياة الجارية لينصرف إل
التفكير والنظر في شؤون الكون والحياة، وفي الإنسان ومصيره»[1].
أما أول من تفلسف بهذا المعن فالراجح أنه طاليس (640-546 ق.م)
الذي هو أحد"الحكماء السبعة"
أما السفسطائيون وعل رأسهم
)ابروتاغوراس 084-074ق.م( و)جورجياس 084-573ق.م( فقد حولوا
الفلسفة إل نوع من التلاعب بالألفاظ
والكلمات والدلالات، وهو ما يمنح السفسطائي المقدرة عل إثبات القضية ونقيضها وذلك لقدرتهم عل تطويع اللغة والتصرف في ألفاظها. وهم يعملون
عل إثبات القضية ونقيضها وبالتالي إنكار
الحقيقة المطلقة وهو ما سيكون التصدي له بمثابة الهم الأول لـ )سقراط 068-533ق.م(
نماذج
من تعاريف الفلسفة:
لقد اتجه )سقراط 063-533 ق.م(
بالفلسفة وجهة مختلفة وانصرف بالتفكير الفلسفي إل
البحث في الإنسان وما يهمه من أمور كالسياسة والأخلاق حت قيل إن سقراط قد "أنزل الفلسفة من السماء
إل الأرض" ويعرف سقراط الفلسفة بأنها
«معرفة الإنسان نفسه».
أفلاطون: )027-507 ق م( يعرف
افلاطون الفلسفة بقوله «معرفة الحقائق المطلقة الكامنة وراء ظواهر الأشياء»[2].
أما أرسطو )580-523 ق.م( فقد فرق
بين معنيين للفلسفة: معن عام يسميه
"الفلسفة النظرية" التي تضم الرياضيات، والطبيعيات، والإلهيات ،وذلك في
مقابل "الفلسفة العملية" التي تهتم بشؤون السياسة، والأخلاق ،وتدبير
المنزل.
أما المعن الثاني فهو ما يسميه: "الفلسفة الأول
" وهي البحث في جميع الموجودات وفي
حقائق الأشياء، وصولا إل الكشف عن عللها
الأول وغاياتها القصوى.
ويعرفها بقوله: «معرفة الوجود من حيث هو وجود»
وفي القرون الوسط اكتست الفلسفة الوسيطة الناتجة عن احتكاك
الديانتين الإسلامية والمسيحية بالتراث اليوناني القديم ،ومن هنا نفهم مدى التشابه
وربما التطابق بين هذه التعريفات وتلك التي مرت بنا عند الفلاسفة اليونيين.
فعل نفس المنوال سار القديس )اوغسطين( و)توما
الاكويني( في الغرب المسيحي والفكر اللاهوتي كما هو الشأن بالنسبة للفلاسفة
المسلمين، وبالجملة فإن الفلسفة في العصر الوسيط كانت مجرد سلاح فكري موجه لخدمة
الدين سواء كان إسلاميا أو مسيحيا وهو ما عبر عنه هيكل بقوله: «لم تكن الفلسفة في
القرون الوسط إلا لاهوتا ولم يكن اللاهوت
إلا فلسفة ،والفيلسوف هو الذي يبحث في اللاهوت بحثا منظما»
فهذا أبو يعقوب الكندي )896-961 م(: يعرف
الفلسفة بأنها «العلم بحقائق الأشياء: إنياتها ومائياتها وعللها بقدر طاقة
الإنسان» وهي: «العلم التام المؤدي إل فعل
الخير»
ويقسم الفلسفة إل ثلاثة أقسام )أولها العلم الرياضي في التعلم
وهو أوسطها في الطبع، والثاني علم الطبيعيات وهو أسفلها في الطبع، والثالث علم
الربوبية وهو أعلاها في الطبع..(.
ويعتبر الكندي الفلسفة
أعل الصناعات الإنسانية منزلة وأشرفها
مرتبة لأن غرض الفيلسوف في علمه إصابة الحق وفي عمله العمل بالحق.
وبنفس المعن يرى الفارابي: )233-553هـ( أن الفلسفة هي:
«البحث في الموجودات بما هي موجودة»، وذلك من خلال دراستها للحكمة الإلهية
والمنطقية والرياضية.
أما ابن سينا (980-1037م) فنجده -في رسالته الطبيعيات- يتحدث عن
الحكمة بوصفها )استكمالا للنفس الإنسانية بتصور الأمور
والتصديق بالحقائق النظرية والعملية عل
قدر الطاقة الإنسانية([3]، إذ الإنسان
–في نظره- خلق جاهلا وخلوا من كل معرفة بشؤون الكون، وبالتالي فليس أمامه إلا
استخدام عقله وتفكيره لكشف الحقائق التي يجهلها سواء كانت تلك الحقائق نظرية أم
عملية، وبذلك يستطيع "تجاوز النقص الموجود فيه ويرتفع من مرتبة الحياة
البهيمية إل مرتبة الإنسانية العاقلة.
وقال ابن رشد )324-333هـ(: الشارح
الأول لأرسطو بما قال به أرسطو من أن الفلسفة هي: «دراسة الوجود من حيث هو وجود»
واعتبر الفلسفة «صاحبة الشريعة وأختها الرضيعة».
ولئن كانت الفلسفة الحديثة خطت
خطوات نحو الأمام مستفيدة من تقدم العلوم فإنها ظلت تهتم بالمعرفة في جانبها الكلي
الشامل.
وهكذا فإن شمولية الموضوع
الفلسفي، وما يبدو من موسوعية الفيلسوف هو ما دفع ديكارت (1596-1650م( في تصديره لكتاب
مبادئ الفلسفة إل القول الحكمة هي «العلم
التام المؤدي إل فعل الخير» وقد شبه
الفلسفة بشجرة جذورها الميتافيزيقا، وجذعها العلم الطبيعي، وغصونها المتفرعة من
هذا الجذع هي العلوم الأخرى.
إلا أن هذا الوضع سيشهد تغيرا
مهما خلال العصر الحديث مع تبلور الروح العلمي الجديد وما أحدثه من قطيعة مع الإرث
الوسيط خصوصا بعد استقلال العلوم عن بعضها وعن الفلسفة، واتجاه العلماء نحو
التخصص، ليس في كل علم عل حدة فقط، وإنما
أيضا في الفرع الواحد من العلم الواحد ،حت
برزت دعوات قوية تدعو للتخلي عن الفلسفة وإعلان إخفاقها، غير أن الفلسفة لن
تلبث أن تتحول إل خطاب نقدي وتحليلي
للعالم وأسسه ،ومناهجه ،ونتائجه، أي إل
"ابستملوجيا"*.
تلك صورة مبسطة لمشكل الفلسفة
واهتماماتها الكبرى عبر العصور ،وهي صورة لن تسعفنا –بشكل كامل- في بلوغ مبتغانا
المتمثل في أن نستنبط للفلسفة تعريفا جامعا مانعا، إلا أننا نستطيع القول – دون أن
نجانب الصواب كثيرا- إن الفلسفة هي لون من ألوان التفكير الإنساني له طبيعته
وخصائصه المميزة التي قد يكون التعرف عليها أمرا مفيدا لما نحن بصدده من محاولة
رسم صورة أكثر اتضاحا عن الفلسفة.
ولهذا نخلص إل القول بأن من يتأمل التعريفات السابقة
يلاحظ أن الفلسفة لم تتقدم ولكن الدهشة التي كانت مبعث السؤال كانت تنطلق من الوضع
الوجودي العام للإنسان ولهذا نعتبر أن للفلسفة علاقة بالواقع وأن الفيلسوف يعيش
بيننا وهو يواصل بحثه عن الحقيقة .
يقول )كارل ياسبرس(: «إن جوهر
الفلسفة هو في البحث عن الحقيقة لا في امتلاكها وهي تصبح غيرها إذا استحالت
إل معرفة موضوعية في صيغ نهائية جاهزة
تنتقل من واحد إل آخر».
إن وصف الفيلسوف بأنه شخص
أجنبي عل الواقع وأن الفلسفة فكر مجرد
يتعال عل
الواقع والتاريخ والمجتمع وصف لا يستند عل
حقيقة الممارسة الفلسفية اللهم ما كان من قول افلاطون «من أن الفيلسوف لا
يتأمل الوجود إلا ككل»، ولكنه لا يتعال
عل الواقع إلا ليفهمه.
وإذا رجعنا إل قول )نيتشه( «إن الفيلسوف يسع دائما إل
الانتصارعل التاريخ والعلو عل الزمان وعدم الانخراط في سلسلته الأبدية»،
فذلكيعني أن التاريخ والزمان مدارهما عل
التبدل والتغير في حين أن مقصدالفيلسوف هو ضبط حقائق لا يعتريها تبدل ولا
تغير، أما أنه مرتبط بواقعه فهذا أمر لا جدال فيه، وكل فلسفة هي انعكاس للواقع
الذي أنتجها والفيلسوف نتاج ذلك الواقع، وهذا ما ذهب إليه )هوسرل( في كتابه:
«تاريخ الفلسفة الغربية» من أن كل فلسفة لابد أن تكون صدى لمختلف تحديدات ظرفها
التاريخي، ويؤيد هذا ما ذهب إليه هيجل في قوله: «إن أفضل وعي يمكن أن تحصله
حقيقة تاريخية عن نفسها هو الوعي الذي
يتحصل لدى فلاسفتها ،وهذا يعني أن كل فلسفة وليدة ظرفها التاريخي».
وقد حاول )ماركس( رد الفلسفة
إجمالا إل إفراز من افرازات المجتمع تتكفل
الايديولوجيا* الكلية بتفسيرها حسب )كارل مانهايم( وتعين معالمها خصائص البنية
التحتية حسب )ماركس(.
الهوامش:
• الابستمولوجيا:
الدراسة النقدية للمبادئ والفروض والنتائج بمختلف العلوم عل حد تعبير لا لاند
• الايديولوجيا:
علم الأفكار وأول من استخدم هذا اللفظ الفيلسوف الفرنسي: )دي ستوت دي تراسيت.
الأسئلة:
1- سئل أحدهم: ما هي الفلسفة؟ فأجاب لا أدري! حلل وناقش؟
2-
«الفلسفة هي حاجة الحاجات
المشبعة» ما رأيك؟
3- إل أي حد يمكن القول «إن الفلسفة لا
موضوع لها»؟
