المحور الأول:مشروعية الدولة وغاياتها
الطرح الاشكالي للمحور:
حينما نتحدث عن مشروعية
الدولة، فإننا نشير إلى مجموع التبريرات والدعائم التي ترتكز عليها الدولة من أجل
ممارسة سلطتها على مواطنيها.
أما مفهوم الغاية فيدل على "ما لأجله إقدام الفاعل على
فعله، وما من اجله يوجد الشئ"
هكذا فكل دولة تستند إلى مشروعية ما،
وانطلاقا من هذه المشروعية يتم اختيار غايات من وجودها؛ إذ يصعب الفصل هنا بين
المشروعية والغايات فيما يخص مسألة الدولة.فما مشروعية الدولة؟ هل هي
مشروعية تعاقدية ام عقلانية ؟ وما الغاية من وجود الدولة هل هي غايات خارجية ام
غاية في ذاتها؟
التصور التعاقدي للدولة : الحرية هي الغاية الأساسية
من قيام الدولة.
لقد قطع فلاسفة التعاقد الاجتماعي مع
التصور الديني للدولة، ولذلك فمشروعية الدولة عندهم تستمد من الالتزام بمبادئ
التعاقد المبرم بين الأفراد ككائنات عاقلة وحرة. هذا التعاقد الحر بين
الأفراد سيؤسس الدولة على قوانين العقل، التي من شأنها أن تتجاوز مساوئ حالة
الطبيعة القائمة على قوانين الشهوة، والتي أدت إلى الصراع والفوضى والكراهية
والخداع. ولذلك فغاية الدولة هي تحقيق المصلحة
العامة المتمثلة حسب اسبينوزا في تحرير الأفراد من الخوف
وضمان حقوقهم الطبيعية المشروعة، والمتمثلة أساسا في الحق في الحياة و الأمن والحرية. هكذا يرى اسبينوزا أن الغاية
من تأسيس الدولة هي تحرير الأفراد من الخوف، وإتاحة الفرصة لعقولهم لكي تفكر بحرية
وتؤدي وظائفها بالشكل المطلوب دون استخدام لدوافع الشهوة من حقد وغضب وخداع. ويختصر اسبينوزا الغاية من
وجود الدولة بقوله: "الحرية هي الغاية الحقيقية من قيام الدولة"
موقف هيجل: الدولة غاية ذاتها، وهي
تجسيد للعقل الموضوعي.
لقد انتقد هيجل التصور التعاقدي الذي يعتبر
أن للدولة غاية خارجية مثل السلم أو الحرية أو الملكية، ورأى أن غاية الدولة لا
تكمن في أية غاية خارجية، وإنما تتمثل في غاية باطنية؛ فالدولة غاية في ذاتها من
حيث إنها تمثل روح وإرادة ووعي أمة من الأمم،.. ومن واجب الأفراد أن يكونوا
أعضاء في الدولة وأن يتعلقوا بها لأن في ذلك سموهم وعلو مرتبتهم؛ فلا يكون للفرد
وجود حقيقي وأخلاقي إلا بانتسابه إلى الدولة.
هكذا يعطي هيجل الأولوية في
تحليله إلى الكل على الأجزاء، وإلى الدولة على الأفراد، ويجعل مصيرهم في أن يحيوا
حياة عامة وكونية. فمشروعية الدولة إذن لا تستمد عند هيجل من
التحالفات القائمة بين الأفراد، بل تستمد من مبادئ عقلية وموضوعية تتأسس عليها
الدولة بشكل حتمي يتجاوز الإرادات الفردية ذاتها.
وسواء كانت الدولة غاية أو وسيلة، أداة لضمان الأمن والاستقرار أو غاية في
ذاتها ، ، فإنها في جميع تلك الحالات تحتاج إلى سلط تؤدي من خلالها وظيفتها وتحقق
عبرها غاياتها، فأين تتجلى تلك السلط؟ كيف يمكن تحديد طبيعتها وكيفية اشتغالها؟
3 موقف
ماكس فيبر: المشروعيات الثلاث
إذا
كان لا بد لكل دولة من مشروعية سياسية تستند إليها في ممارسة السلطة، فإن هذه
المشروعية تنقسم إلى ثلاثة أسس مختلفة وهي:
- المشروعية التقليدية: أو المشروعية الوراثية وهي
التي تستمدها الدولة عن طريق الوراثة٬ حيث يرث الحاكم سلطته عن آبائه وأجداده دون
أن يختاره الشعب، وإنما يفرض نفسه متعاليا على الإرادة العامة لمجموع المواطنين،
ولا يجيز الاعتراض عليه أو تغييره٬ وتسمى سلطته بـ"سلطة الأمس
الأزلي"...
-
المشروعية البطولية: وتسمى المشروعية الكارزمية، وتقوم على المزايا الشخصية
والإنجازات الكبيرة لشخص الحاكم الذي يتمتع بنفوذ خاص يجعل الناس يلتفون حول
القضية التي يدافع عنها، كأن يكون عالما أو زعيما سياسيا أو مناضلا كبيرا أو
ديماغوجيا... و يفرض احترامه على الناس طواعية.
-
المشروعية الشرعية: وتسمى المشروعية الديمقراطية أو العقلانية، وهي المشروعية التي
تُستمد من الإرادة العامة للشعب عن طريق التعاقد والاختيار٬ فتكون سلطة الحاكم
قائمة على أساس الامتثال للواجبات والالتزامات المطابقة للقوانين٬ فيُنظر إلى
الحكم كخدمة للدولة و إلى الحكام كأجراء عند الشعب ليس إلا.
4-
موقف باروخ اسبينوزا: الغاية من الدولة هي الحرية
ليست الغاية من الدولة هي السيادة والتخويف والسيطرة والإكراه، وإنما هي حفظ
حقوق الأفراد وحماية مصالحهم وضمان حرياتهم وأمنهم، إذ لا فائدة من الدولة إن لم
تحرر الفرد من الخوف والرعب والترهيب، يقول سبينوزا: «الغاية من تأسيس الدولة ليست
هي تحويل الموجودات العاقلة إلى حيوانات وﺁلات صماء»٬ ويعني أن وجود الدولة
لا يقتضي احتقار المواطنين والاستخفاف بمطالبهم وإرغامهم على الطاعة، وتوظيف
الأساليب الخسيسة لتركيعهم وسلبهم حرياتهم، فذلك مُناقض للغاية التي أُنشئت من
أجلها، وهي صون وتنظيم الحريات الفردية والجماعية، وليست قمعها ومنعها، يقول
سبينوزا: "الحرية إذن هي الغاية من قيام الدولة".
ولما
كان من المستحيل أن تتواطأ جميع أراء الناس وأفكارهم وكان من المستحيل أيضا أن
يُثبت الفرد الواحد أن له العلم بكل شيء وقادر على كل شيء(الاستبداد)٬ فإن الطريق
إلى تحقيق السلام والأمن هو تنازل الأفراد عن حقهم المطلق في أن يتصرفوا وفق
إرادتهم المطلقة لصالح سلطة عليا تصون حقوقهم جميعا وفق القوانين المتعاقد عليها٬
شرط اعتماد العقل ونبذ أخلاق الحقد والعنف والخداع. دون أن يفيد ذلك تنازلهم عن
حقهم في التفكير أو عن حقهم السياسي.
