-->
U3F1ZWV6ZTE1MTMzMjgyNzU2X0FjdGl2YXRpb24xNzE0MzkyMTY1MTU=
recent
أخبار ساخنة

وجود الغير/دروس الثانية بكالوريا

وجود الغير/دروس الثانية بكالوريا
وجود الغير/دروس الثانية بكالوريا 
المحور الأول : وجود الغير

الطرح الإشكالي:
إذا كان الأنا يتميز عن باقي الكائنات والأشياء بصفة الوعي، فأن وعيه هذا يتخذ عدة أشكال؛ كالوعي السيكولوجي والوعي المعرفي والوعي الأخلاقي. فمن الناحية السيكولوجية تصدر عن الأنا انفعالات مثل الحب والكراهية، كما تصدر عنه من الناحية المعرفية عمليات فكرية مختلفة مثل الشك والتخيل، ومن الناحية الأخلاقية يتميز بصفات مثل الشجاعة والكرم. ولذلك نتساءل؛ هل يمكن أن يمارس الأنا هذه الأفعال والعمليات دون حضور الغير كطرف فيها؟ فإذا لم يكن هناك وجود للغير في عالم الأنا، فمن سيحب هذا الأخير ومن سيكره؟ وهل يمكنه أن يفكر في قضايا سياسية واجتماعية وغيرها دون حضور الغير كطرف أساسي مولد لهذه القضايا؟ ثم كيف للأنا أن يعرف أنه شجاع أو كريم دون وجود الغير؟
 وعلى العموم هل وجود الغير ضروري لوجود الأنا أم أنه مجرد وجود جائز ومحتمل؟

معالجة الإشكالية :
1-     موقف ديكارت: وجود الغير غير ضروري لوجود الأنا ووعيه بذاته.:

يتأسس الموقف الديكارتي على فكرة مفادها أن ماهية الإنسان الجوهرية تتمثل في " الذات المفكرة " أو ما يعبر عنه ب الكوجيطو . اعتمد ديكارت على الشك من أجل بلوغ الحقيقة؛ وهكذا فقد شك في كل شيء إلا في حقيقة واحدة، بديهية ويقينية، وهي أنه يشك‘ أي يفكر، وبالتالي فهو يقينا يوجد كذات أو كجوهر مفكر. إن وجود الأنا كفكر وكوعي هو وجود يقيني لا يطاله الشك مادام أنه موضوع لإدراك حدسي مباشر، أما وجود الغير  فلا يعدو أن يكون وجودا جائزا محتملا أو افتراضيا يحتاج الى استدلال قياسي، وكل ما يحصل عن طريق الاستدلال فهو قابل للشك.
وهو ما يعني ان وعي الأنا بذاته لا يمر بالضرورة عبر الآخر أو لا يشترط وجود الغير . وهذا ما يشير إليه قول  ديكارت  التالي : " أنظر من النافذة فأشاهد بالمصادفة رجالا يسيرون في الشارع، فلا يفوتني أن أقول عند رؤيتهم إني أرى رجالا بعينهم، مع أني لا أرى من النافذة غير قبعات ومعاطف قد تكون غطاء لآلات صناعية تحركها لوالب. لكني أحكم بأنهم ناس: وإذن فأنا أدرك بمحض ما في ذهني من قوة الحكم ما كنت أحسب أني أراه بعيني"
هكذا فالنتيجة المنطقية لفلسفة الذات عند ديكارت هو وقوع الأنا في نوع من العزلة والوحدانية التي تجعله ينكفئ على ذاته، ويعيها، ويثبت وجودها إثباتا حدسيا، يقينيا ومباشرا دون أية حاجة إلى وجود الغير.

فوجود الغير في فلسفة ديكارت، هو وجود غير ضروري بالنسبة لوجود الأنا ووعيه بذاته، إنه مجرد وجود افتراضي قابل للشك، محتمل وجائز.
2-      موقف هيجل: إثبات وجود الأنا لا يكون إلا من خلال الصراع مع الغير:
 ضد الموقف الديكارتي شيد هيجل فلسفة للوعي يحتل فيها مفهوم الغير موقعا مركزيا. فكل شيء بالنسبة لهيجل يحمل نقيضه في ذاته كشرط لتحقق وجوده واستمراريته ( المنهج الجدلي ). هكذا فوجود الأنا لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال وجود نقيضه أي الأنا الآخر أو الغير. فلا يمكن للوعي أن يعرف نفسه إلا من خلال انفتاحه على كل ماهو آخر بالنسبة إليه؛ أي أن الوعي يبحث عن وساطة بينه وبين معرفته لنفسه، وهذا ما ينعته هيجل بمفهوم التوسط .إن الوعي الآخر (الغير) هو الوحيد القادر على القيام بدور التوسط بين الأنا ومعرفته بذاته؛ ذلك أن الأنا يسعى إلى الاعتراف به من طرف الآخر. غير أن هذا الاعتراف يتم من خلال عملية الصراع التي تقوم بين الأنا والغير، والتي تنتهي بإخضاع أحد الوعيين للآخر وإجباره على الاعتراف له بوجوده. وبذلك تنشأ العلاقة الإنسانية الأولى، علاقة السيد بالعبد.( جدلية العبد والسيد)
وهكذا فليس للأنا وجودا حقيقيا إلا من خلال علاقته بالأنا الآخر (الغير) وليس قبلها. فوجود الغير شرط ضروري لوجود الأنا؛ مادام أن كلا من السيد والعبد يتوقف وجود أحدهما على وجود الآخر.
الاسمبريد إلكترونيرسالة