مفهوم الدولة
مفهوم الدولة
مفهوم الدولة
الدولة
إن انتقال
الإنسان من حالة الطبيعة والتوحش التي تسود فيها سيطرة الأوهام الفطرية والأنانية
والصراع "حرب الكل ضد الكل"، إلى حالة
المدنية والاجتماع التي يسود فيها القانون والقيم الإنسانية من حق وعدالة، هو
انتقال من [اللادولة] إلى الدولة.
فالدولة إذن هي : » مجموع المؤسسات
القانونية والإدارية والعسكرية التي يتم إنشاءها، من لدن جماعة من الناس، داخل
مجال ترابي محدد، بموجب عقد مشترك، لغرض تنظيم حياتهم في كافة الميادين والمجالات « .
إنها
تنظيم مشكل من أجهزة متعددة تتكامل فيما بينها، محكومة بالقوانين التي تسعى إلى
تدبير موضوعي ومحايد لشؤون المجتمع (الأفراد) والسهر على
تأمين حقوق الافراد وتحقيق السلم وضمان الحرية و الملكية لكن هذا الوجه الايجابي
للدولة لا يتجسد دائما على ارض الواقع بل قد تصبح جهاز يمارس القمع و التسلط و
العنف بدعوى المحافظة على الصالح العام الامر يجعلنا امام مفارقة وانطلاقا من هذه
المفارقة يمكن التفكير في اساس ومبررات وجود الدولة والغاية منها اضافة الى طبيعة
السلطة السياسية وكيفية ممارسة الدولة لسلطتها السياسية بين الحق و العنف
المحور الاول : مشروعية الدولة
و غايتها :
الطرح الاشكالي للمحور: حينما نتحدث عن
مشروعية الدولة، فإننا نشير إلى مجموع التبريرات والدعائم التي ترتكز عليها الدولة
من أجل ممارسة سلطتها على مواطنيها.
أما مفهوم الغاية فيدل على "ما لأجله إقدام
الفاعل على فعله، وما من اجله يوجد الشئ"
هكذا فكل دولة تستند إلى مشروعية ما، وانطلاقا من
هذه المشروعية يتم اختيار غايات من وجودها؛ إذ يصعب الفصل هنا بين المشروعية
والغايات فيما يخص مسألة الدولة.فما مشروعية
الدولة؟ هل هي مشروعية تعاقدية ام عقلانية ؟ وما الغاية من وجود الدولة هل هي
غايات خارجية ام غاية في ذاتها؟
التصور التعاقدي للدولة : الحرية هي
الغاية الأساسية من قيام الدولة.
لقد قطع فلاسفة التعاقد الاجتماعي مع التصور
الديني للدولة، ولذلك فمشروعية الدولة عندهم تستمد من الالتزام بمبادئ التعاقد
المبرم بين الأفراد ككائنات عاقلة وحرة. هذا التعاقد
الحر بين الأفراد سيؤسس الدولة على قوانين العقل، التي من شأنها أن تتجاوز مساوئ
حالة الطبيعة القائمة على قوانين الشهوة، والتي أدت إلى الصراع والفوضى والكراهية
والخداع. ولذلك فغاية الدولة هي تحقيق المصلحة العامة
المتمثلة حسب اسبينوزا في تحرير
الأفراد من الخوف وضمان حقوقهم الطبيعية المشروعة، والمتمثلة أساسا في الحق في الحياة و الأمن
والحرية. هكذا يرى اسبينوزا أن الغاية من تأسيس الدولة هي
تحرير الأفراد من الخوف، وإتاحة الفرصة لعقولهم لكي تفكر بحرية وتؤدي وظائفها
بالشكل المطلوب دون استخدام لدوافع الشهوة من حقد وغضب وخداع. ويختصر اسبينوزا
الغاية من وجود الدولة بقوله: "الحرية هي
الغاية الحقيقية من قيام الدولة"
موقف هيجل: الدولة غاية
ذاتها، وهي تجسيد للعقل الموضوعي.
لقد انتقد هيجل التصور التعاقدي
الذي يعتبر أن للدولة غاية خارجية مثل السلم أو الحرية أو الملكية، ورأى أن غاية
الدولة لا تكمن في أية غاية خارجية، وإنما تتمثل في غاية باطنية؛ فالدولة غاية في
ذاتها من حيث إنها تمثل روح وإرادة ووعي أمة من الأمم،.. ومن واجب
الأفراد أن يكونوا أعضاء في الدولة وأن يتعلقوا بها لأن في ذلك سموهم وعلو
مرتبتهم؛ فلا يكون للفرد وجود حقيقي وأخلاقي إلا بانتسابه إلى الدولة.
هكذا يعطي هيجل الأولوية في تحليله إلى
الكل على الأجزاء، وإلى الدولة على الأفراد، ويجعل مصيرهم في أن يحيوا حياة عامة
وكونية. فمشروعية الدولة إذن لا تستمد عند هيجل من
التحالفات القائمة بين الأفراد، بل تستمد من مبادئ عقلية وموضوعية تتأسس عليها
الدولة بشكل حتمي يتجاوز الإرادات الفردية ذاتها.
وسواء كانت الدولة غاية أو وسيلة، أداة
لضمان الأمن والاستقرار أو غاية في ذاتها ، ، فإنها في جميع تلك الحالات تحتاج إلى
سلط تؤدي من خلالها وظيفتها وتحقق عبرها غاياتها، فأين تتجلى تلك السلط؟ كيف يمكن
تحديد طبيعتها وكيفية اشتغالها؟
المحور الثاني : طبيعة السلطة
السياسية
الطرح الاشكالي للمحور : اذا كانت الدولة
تدبير للشأن العام فهذا يعني انها ممارسة للسلطة . فما هي طبيعة
السلطة السياسية ؟ هل هي متعالية أم محايثة للمجال الذي تمارس فيه ؟
الموقف الاول : السلطة متعالية
وتتجلى في مجموعة من المؤسسات و الاجهزة
انسجاما مع تصورها للدولة، باعتبارها
أداة للهيمنة الطبقية، تضيف الماركسية ـ خصوصا في شقها البنيوي مع ألتوسيرـ أجهزة
أخرى تعتبرها أساسية في ممارسة الدولة للسلطة، وتتمثل هذه الأجهزة، التي يسميها
التوسير بالأجهزة الإيديولوجية للدولة، في المدرسة والنقابة والحزب والإعلام
والأسرة ومختلف الأجهزة الدينية والثقافية وغيرها من الأجهزة التي من خلالها تبرر
الدولة ممارساتها وتمرر عبرها غاياتها، والتي هي في نهاية التحليل ليست سوى
ممارسات وغايات الطبقة المسيطرة. وتتميز هذه
الأجهزة حسب ألتوسير عن سابقاتها، وخصوصا عن تلك التي تسمى في الأدبيات الماركسية
بالجهاز القمعي للدولة (الشرطة، الدرك،
الجيش)، في أمرين اثنين: أولهما أن
الجهاز القمعي موحد في قيادته وتوجهاته بينما الأجهزة الإيديولوجية كثيرة ومتعددة
سواء في قياداتها أو في توجهاتها. ثانيهما أن
الجهاز القمعي ينتمي كله إلى المجال العمومي بينما الأجهزة الإيديولوجية فهي ” على عكس ذلك
تنتمي إلى المجال الخاص، الكنائس خاصة، وكذا الأحزاب، والنقابات، والعائلات، وبعض
المدارس، ومعظم الصحف . . . الخ”. مع التوسير إذن
لم تعد السلطة السياسية بالضرورة ذات طبيعة مادية مشخصة، بل هي قد تكون “غير منظورة بشكل
مباشر” فتمارس فعلها على الأفراد حيث لا يدرون
الموقف الثاني : السطلة محايثة
للمجال الذي تمارس في المجال الذي تمارس فيه
يرى ميشيل فوكو أن السلطة السياسية تنتشر في جميع
دواليب المجتمع. وبالتالي فلا يكفي لتغيير المجتمع، الاستلاء على
أدوات ممارسة العنف التي تحتكرها الدولة. بل ينبغي تغيير
مفهوم السلطة السياسية كما يعاد إنتاجه من طرف المؤسسات التي تنظم الحياة العمومية. إن السلطة
السياسية علاقة، وليست شيئا يمكن أن نحصل عليه أو نحرم منه .
إن قصد فوكو من
الدعوة إلى توسيع وتغيير معنى مفهوم السلطة، هو لفت انتباه الجميع إلى أن السلطة
التي، اعتبرت شيئا حكرا على الدولة، تتجاوز ذلك لتصبح مندمجة في العصر؛ حيث أنها
لا تستثني مكانا دون أن تتواجد فيه، مما يعني أن الكل يمارس السلطة سواء كان ذلك
بوعي أو دون وعي .
والسلطة تتميز في نظره بـ :
1. العمومية والشمولية : ليست السلطة
حكرا على فرد أو هيأة معينة في الدولة؛ وإنما هي عنصر يتواجد في كل مكان، وتمارس
بأشكال مختلفة من لدن الجميع.
الغائية والقصدية : تمارس السلطة
لأجل غايات ومقاصد محددة بشكل مسبق؛ مما يعني أنها ليست آلية تشتغل بشكل عفوي أو
غير منظم.
ليس للسلطة السياسية إذن لا طبيعة
واحدة ولا طريقة موحدة في الاشتغال: فهي قد تتخذ
طبيعة مادية ظاهرة وقد تتخذ طبيعة معنوية خفية، قد تشتغل عن طريق القمع والعنف وقد
تشتغل عن طريق الإقناع والتبرير، وكل هذا يجعلنا أمام إشكالية جديدة وهي إشكالي
الدولة بين الحق والعنف.
المحور الثالث : الدولة بين الحق
و العنف
الطرح الاشكالي : اذا كانت الدولة
تدبير للشأن العام فهذا يعني انها ممارسة للسلطة . فكيف تمارس
الدولة سلطتها ؟ هل باعتماد الحق و القانون ام العنف و القوة ؟
الموقف الاول : الدولة تقوم على
العنف
موقف ماكس فيبر :
في إطار تعريفه للدولة يلتزم ماكس فيبر بموقعه
كعالم اجتماع. فهو يرفض أن يميز الدولة الحديثة بمحتوى ما تقوم
به من مهام؛ إذ لا وجود لمهمة لم يقع بها تجمع سياسي سابق عن الدولة كما نعرفها
اليوم. والحال كذلك، فإن الطريقة المناسبة لتعريف الدولة
هي التركيز على الوسيلة الخاصة المميزة لها عن التجمعات السياسية السابقة عليها؛
وهي العنف الفيزيائي / المادي. لكن ماكس فيبر
لا يقف في تعريفه للدولة عند مستوى العنف والقوة، كما يذهب إلى ذلك التصور
الماركسي، وإنما يعتبر أن أساس الدولة يكمن في نمط المشروعية الذي يسوغ للدولة الحق
في ممارسة العنف. هكذا، فإنه يميز الدولة الحديثة عن
أشكال التجمعات السياسية السابقة عليها، باحتكارها للحق في ممارسة العنف الفيزيائي
/ المادي المشروع .
حسب ماكس فيبر،
فإن العنف هو الوسيلة التي ينبغي تقويتها وتجديدها باستمرار؛ لأن القانون والحق لا
يضمنان للدولة الحفاظ على أمنها وحدودها، على اعتبار أن ذلك قد يجعلها لقمة سائغة
بالنسبة لكل الأطماع التي تسعى إلى التوسع والسيطرة
موقف ميكيافيلي :
يعتبر ‘ماكيافيلي’ من كبار
الفلاسفة الذين دافعوا عن مشروعية استخدام الدولة للعنف والقوة، بل ولما هو أسوء
منهما، المكر والخديعة. فالأمير الذي
يمثل أعلى نقطة في هرم السلطة، القائد الأعلى لمختلف أجهزتها ومؤسساتها، يجب عليه،
يقول ماكيافيلي، “أن يجيد استعمال اسلوب الحيوان وأسلوب الإنسان
على حد سواء(…)، وأن يقوم بالاستغلال الجيد لكلا الطبيعتين”. وإذا كان أسلوب
الإنسان يعني العمل وفق القانون ووفق ما تقتضيه الفضائل الأخلاقية الحقة، من رحمة
ووفاء وإحسان ونزاهة وإنسانية، فإن أسلوب الحيوان يعني العمل وفق مبدأ القوة ومبدأ
المكر معا،”فالأمير- يقول ماكيافيلي – عليه أن يقلد
الأسد والثعلب معا، لأن الأسد لا يحمي نفسه من الشراك، والثعلب لا يقوى على التصدي
للذآب”. ولا يعني هذا أن ماكيافيلي ينصح الأمير بأن
يتصرف دوما حسب الطبيعة الحيوانية، أي بقوة ومكر، بل يعتبر ذلك خطرا عليه، وإنما
بنصحه فقط ” بأن يكون على أهبة الاستعداد للتغير حسب مقتضيات
الظروف ومجريات الأحداث” أي ” أن لا يمتنع عن
القيام بأعمال الخير ما استطاع إلى ذلك سبيلا، مع ضرورة اللجوء إلى استعمال الشر
عند الاضطرار”، وهو المعنى الذي سيعبر عنه المبدأ الشهير في
الماكيافيلية ” الغاية تبرر الوسيلة”، فحينما يكون
هناك خطر يهدد عرش الأمير، أو أمن الجماعة واستقرارها فيصبح من حق الدولة أن تلجأ
إلى القمع والعنف بدل الحق والقانون، ومن واجب الأمير أن يلجأ إلى القوة والمكر
بدل العدل والنزاهة، لكن بمجرد أن يزول ذلك الخطر فيجب أن تعود الأمورإلى مجراها الطبيعي،
أي أن تعود القوانين كي تحكم ممارسات الدولة والأخلاق الفاضلة لتوجه أفعال الأمير.
موقف جاكلين روس: تتمسك دولة الحق
بكرامة الفرد ضد كل أنواع العنف والتخويف.
اعتبرت جاكلين
روس أن دولة الحق هي ممارسة معقلنة لسلطة الدولة، يخضع فيها الحق والقانون إلى مبدإ
احترام الشخص البشري وضمان كرامته الإنسانية. هكذا فالفرد في
دولة الحق هو قيمة عليا ومعيار أسمى لصياغة القوانين والتشريعات التي تمنع كل
أنواع الاستعباد والاضطهاد التي قد يتعرض لها.
وما يمكن
ملاحظته هنا هو أن الغاية هنا هي الفرد وليس الدولة؛ فهذه الأخيرة هي مجرد وسيلة
لخدمة الفرد، إذ تعتبره الغاية الأساسية من كل تشريع. ولن يتم ذلك إلا
من خلال مبدأ فصل السلط الذي يمكن من إحقاق الحق وإخضاعه للممارسة المعقلنة
القائمة على الاحترام وتطبيق القانون، ونبذ كل أشكال الإرهاب والعنف.
تركيب نهائي
للمفهوم :
واضح من كل ما سبق أن الدولة
كإطار للانتظام السياسي وللحياة الاجتماعية تطرح جملة من الإشكالات وتنطوي على عدد
من المفارقات التي لا يمكن استيعابها وفهمها على الوجه الأكمل إلا بالانفتاح على
مفاهيم أخرى عدة وعلى ما تطرحه هي أيضا من إشكالات ومفارقات ومن أبرز هذه المفاهيم: مفهوم العنف، مفهوم الحق، مفهوم العدالة، مفهوم الحرية،
مفهوم الواجب . . الخ.

