-->
U3F1ZWV6ZTE1MTMzMjgyNzU2X0FjdGl2YXRpb24xNzE0MzkyMTY1MTU=
recent
أخبار ساخنة

د محمد أندلسي"جسد الإنسان أكثر ذكاءا من عقله" فريديريك نيتشيه

 

"جسد الإنسان أكثر ذكاءا من عقله"

هذه العبارة أوردها "نيتشه" قي إحدى شذراته المتأخّرة، وهي عبارة بمفردها كافية للتذكير – لمن لا ذاكرة له- براهنية فكر صاحب"هكذا تكلّم زرادشت"، وبالأهمية الماسّة والملحّة لصورة الفلسفة "كتشخيص طبّي لأحوال الحضارة وأعراض الثقافة".
إنّ الوضعية الراهنية- غير المسبوقة- للمجتمعات البشرية، الواقعة تحت هيمنة وجبروت "فيروس كورونا" Covid19 الذي ينتقل في العالم كانتقال النار في الهشيم، تكشف مرّة أخرى بأنّ الثقافة بصفة عامة، والفلسفة بصفة أخصّ، ستستمرّ في غفلتها وسذاجتها ما لم تفطن وتستدرك بسرعة، وإلى الأبد، جنيالوجيتها المتمثّلة في القاعدة التالية: إنّ الفكر(العقل-الوعي-) الذي يتوهّم أنّه السيّد-الحكم، والمتحكّم في «الجسد»، ما هو إلاّ أداة للجسد، ومسخّر لخدمته. ف»الجسد» هو بؤرة لذكاء أكثر رهافة، وذقة، وحذق، وفاعلية، مقارنة بالذكاء الواعي للعقل. وأنّ ذكاء «الجسد» هو حاصل صيرورة تاريخية طويلة(تعدّ بالعصور والقرون والأجيال) من التدرّب والمراس والخبرة والاختبار، إنّه ذكاء "جهاز هضمي ضخم" لا يني، عن التأويل، والانتقاء، والهضم، والاجترار، والاستيعاب.
للجسد تاريخ، وهذا التاريخ محفوظ ومحصّن إلى الأبد ضدّ الإتلاف والنسيان، على شكل طبقات مترسّبة داخل تراتبية راسخة. فليس "الوعي" ولا "العقل" هو الماهية الثابتة والأبدية للإنسان، إنّه على أية حال، ليس العلامة الملكية البارزة على تفوّقه على النوع الحيواني، إنّه من هذه الزاوية أدنى من الحيوان، لأنّه- بالرّغم من أنف الفلاسفة ومزاعمهم، فهو لازال "كائنا حيوانيا لم يتحدّد بعد نوعه". وإذا كان عمل الوعي سطحيا، وثانويا، ومشتقّا، فلأنّ "النشاط الأساسي والحاسم للإنسان هو نشاط جسده اللاشعوري". إنّ "الوعي" ليس فحسب ظاهرة متاخّرة وحديثة العهد، بل هو أيضا يشكّل خطرا على "«الجسد»"- كما تخبرنا بذلك الشذرة 11 من "العلم المرح". "فالوعي أكثر سطحية ممّا نعتقد"، وهو يبدو في مرآة "«الجسد»"، ملكة الثغرات والمتناقضات، خجولة، غير متكيّفة، في حيرة من أمرها باستمرار.

إنّ «الجسد»، بما يملكه من قدرة هائلة على التنظيم والتنسيق المحكم بين غرائزه، ودوافعه، وقواه، يشكّل جهازا تأويليا يعمل باستمرار، على توحيد قواه وتكثيفها، وتقوية مناعاتها، مستفيدا في ذلك بشكل أقصى من ذاكرته البيولوجية الخلوية والتاريخية الرّاسخة، وذلك من أجل مواجهة الطابع التراجيدي للحياة، والتحكّم في فوضى الواقع وحدثيته وفجائيته. لهذا يحقّ ل"نيتشه" أن ينعته بجدارة واستحقاق: "العقل الرفيع"La grande raison. للوقوف على مصداقية وراهنية التشخيص الجنيالوجي المنطوي في "العبارة" التي عنونّا بها هذه "الشهادة"، يكفي أن نغيّر قبلة التساؤل من سماء العقل وكهوفه إلى سطح «الجسد»/الواقع -العميق في سطحيته: ماهو سلاح البشرية اليوم النّاجع في مقاومة وباء/جائحة "فيروس كورونا"ّ؟ هل هو "العقل" أم «الجسد»؟ هل هو (الوعي- العلم- الفلسفة-الدين-الأخلاق) أم هو «الجسد» بما راكمه، عبر تاريخه الموغل في القدم، من تجارب وخبرات في مواجهته الدّؤوبة لمختلف ضروب "المرض"، وما كسبه وغنمه،عقب ذلك، من صحّة وقوة ومناعة؟
إلى حدود الآن، يبدو أنّ السلاح الوحيد الفعّال والتّاجع في مقاومة "جائحة فيروس كورونا"، بدون عواقب مرضية وآثار عرضية، هو "الجسد" بمناعته القوية، وبآلياته الدفاعية التحصينية المنيعة.
إنّ العقل لا يكون فعّالا وناجعا إلاّ حينما يتنازل عن كبريائه المتعجرف، ونرجيسيته المتضخّمة التي يتغذّى منها تاريخه الخرافي الذي نسجه حول ذاته، والذي هو نسيج من الأحكام المسبقة، والمعتقدات، والأوهام، والأوثان الفكرية؛ ويقبل، بتواضع كبير، أن يكون جزءا من «الجسد»، وعضوا هامّا من أعضائه، وأداة في خدمته. يقتضي هذا من "العقل" أن يتخلّى عن الصّورة المثالية التي رسّخها بتواطؤ الفلسفة، والتي توّج بمقتضاها كملكة للحقيقة ومعيار لها. بهذا المعنى نقول: إنّ ذكاء جسدنا أقوى من ذكاء عقلنا". فليحذر أولئك الذين يدعون إلى "التشطيب على "نيتشه""، و"تجريده من نعت الفيلسوف". فهل يمكن للمفكّر اليوم أن "يتفلسف" كما كان يفعل قبل "نيتشه".  إنّه "عنقاء" هذا الزمن الرديء.
د.محمد أندلسي، جامعة مولاي  إسماعيل مكناس: 09/04/2020
الاسمبريد إلكترونيرسالة