منهجية تحليل النص الفلسفي/نموذج تطبيقي
منهجية تحليل نص فلسفي
نموذج تطبيقي
تحليل نص نيكولا مالبرانش/معرفة الغير
من انجاز تلاميذ ثانوية الرازي سطات موسم 2019/2020
____________النص
_______________________________________________________
من كل مواضيع معرفتنا، لا يبقى
لنا سوى أنفس الناس الآخرين والعقول الخالصة؛ وإنه لمن الظاهر أننا لا نعرفها إلا
عن طريق التخمين. لا نعرفها في هذه اللحظة لا في ذاتها ولا بأفكارها (1) ، ولما
كانت مختلفة عنا ، فليس بإمكاننا معرفتها بالوعي (2) . إننا نخمن أن أنفس الناس
الآخرين هي مثل أنفسنا من حيث النوع. ونؤكد أن هؤلاء يشعرون بما نشعر به في
ذواتنا ؛ وحتى عندما لا يكون لهذه المشاعر علاقة بالبدن ، فإننا نكون
متأكدين من عدم خطئنا البتة : لأننا نرى في الإله أفكارا يقينية وقوانين
يقينية غير قابلة للتغيير ، نعرف من خلالها بيقين أن الإله يؤثر بطريقة متساوية في
جميع الأذهان .
أعرف
أن ضرب إثنين في إثنين يساوي أربعة ، وبأنه من الأفضل للمرء أن يكون عادلا من أن
يكون ثريا ، وأنا لا أخطئ البتة عندما اعتقد أن الآخرين يعرفون هذه الحقائق مثلما
أعرفها . أحب الخير واللذة ، أكره الشر والألم ، أريد أن أكون سعيدا ، وأنا لا
أخطئ البتة عندما اعتقد أن للبشر والملائكة ، بل وحتى للشياطين ، هذه الميول عينها
. وأعرف ، علاوة على ذلك ، أن الإله لن يخلق أبدا أرواحا لا ترغب في أن تكون
سعيدة ، أو تستطيع الرغبة في أن تكون تعيسة : إلا أنني أعرف ذلك بوضوح ويقين ، لأن
الإله هو من يخبرني به . وإلا من من غير الإله يقتدر على جعلي أعرف مقاصد وإرادات
الإله ؟ لكن عندما يكون للبدن صلة بما يقع في ذاتي ، فأنا أخطئ دائما تقريبا ، إذا
ما أصدرت حكما على الآخرين انطلاقا منها . أحس ببعض الحرارة ، أرى حجما ما ،
لونا ما ؛ أشم هذه الرائحة أو تلك عند اقترابي من بعض الأجسام : أنا
أخطئ إذا ما أصدرت حكما على الآخرين انطلاقا من ذاتي .أنا معرض لتأثير عدد
من الأهواء ، أشعر بالإلف أو بالعيف تجاه هذه الأشياء أو تلك ؛ وأحكم على
الآخرين بأنهم يشبهونني : غالبا ما يكون تخميني خاطئا . وهكذا فإن المعرفة التي
لدينا عن الناس الآخرين معرضة كثيرا للخطأ ، إذا ما اكتفينا بمشاعرنا عن أنفسنا
للحكم عليهم .
1)الإنسان لا يعرف نفسه (روحه) بفكرتها ، لأن الإله لم يهبه هذه الفكرة
. ولذلك فمعرفته بنفسه ناقصة وإن لم تكن خاطئة ؛ بعكس معرفته ببدنه بفكرته – التي
وهبها الإله إياه – والتي هي ناقصة وخاطئة .
2) المعرفة بالنفس
– الذاتية- لا تكون إلا بالوعي أي بالشعور بما يجري بداخلها . النفس لا تعرف
ماهيتها أو طبيعتها ولا ما هي قادرة عليه من إحساسات وتغيرات .يستحيل إعطاء تعريف
للنفس
تحميل الموضوع على الهاتف و الحاسوب بصيغةpdf;;للاطلاح على طريقة التحميل ستجدونها أعلى الموقع
تحميل الموضوع على الهاتف و الحاسوب بصيغةpdf;;للاطلاح على طريقة التحميل ستجدونها أعلى الموقع
-------------الجواب
---------------------------------------
إذا نظرنا إلى وضعنا البشري محاولين
فهمه وكشف الحجاب عن حقيقته،لا بد من التفكير في الغير،باعتباره لبنة أساسية في وجودنا بما هو وجود
علائقي،وعلى هذا الأساس يفرض التفكير في الغير مساءلة معرفتنا
له،خصوصا أن هذه المعرفة لا تتعلق بمعرفته كجسم أو كعضوية بيولوجية ،بل معرفته
كذات تحمل أفكارا ومشاعر،وإذا كانت عملية المعرفة تتطلب ذات عارفة وموضوعا
للمعرفة،فإن الصعوبات المطروحة هو أننا أمام ذات تحاول دراسة ذات أخرى،خصوصا أن
الإنسان ذو بنية سيكولوجية متحولة.لذلك نتساءل:
هل معرفة الغير
افتراضية قائمة على التخمين أم هي معرفة يقينية ؟ وبصيغة أخرى أعم:هل معرفة الغير
ممكنة أم غير ممكنة؟إذا كانت ممكنة فما السبل المتاحة لتحقيقها؟وإذا كانت غير
ممكنة فما الذي يحول دون معرفتها؟
للإجابة على الإشكال المطروح يذهب صاحب النص إلى أطروحة مركزية مفادها أن
معرفة الغير مجرد إفتراضات وتخمينات ومن تم فهي ليس معرفة يقينية،وأن كل معرفة
قائمة على الاستدلال بالمماثلة لا يمكن أن تؤدي
إلا لنتائج خاطئة،وقد صاغ صاحب النص أطروحته بإعتماد مجموعة من المفاهيم ،أبرزها الاخرين
باعتبارهم الذوات الأخرى،والمعرفة
باعتبارها العملية التي تقوم بها الذات لإدراك موضوع ما (الاخرين)،الإفتراض باعتباره معرفة ظنية تحتمل الصدق
والكذب،حيث أقام صاحب النص علاقة تعارض بين هذه
المفاهيم لكون معرفة الأخرين هي مجرد معرفة قائمة على الافتراض.
وانسجاما مع
الخطاب الفلسفي باعتباره خطابا حجاجي،صاغ صاحب النص أطروحته باعتماد مجموعة من الاليات الحجاجية،استهلها بنفي أن تكون معرفة الغير ممكنة بل هي مجرد معرفة
افتراضية تخمينية ،لكون الذات الأخرى التي نحاول معرفتها بواسطة الوعي هي ذات
مختلفة،وبالتالي ما تكونه الذات عن الغير من خلال بناء افتراضي يقوم على الزعم
بأنها تشبهها،غالبا ما يبقى مجرد تخمين،و
يدلل مالبرانش على ذلك بوضع تقابل بين
الأشياء التي نعرفها والأشياء التي لا نعرفها بدقة وبشكل متساوي مع الغير،فمثلا نعرف نعرف جميعا أن أربعة هي حاصل ضرب اثنين
في اثنين،ونعرف أن العدل أفضل من الغنى،وبأننا غير مخطئين عندما نعتقد أن الاخرين
يعرفون ذلك بنفس القدر،لكن نحن مخطئين اذا ما ظننا أننا نشم ونبصر بنفس القدر
،ونخطئ عندما نعتقد أن الاخرين يمرون بنفس التجربة الشعورية ،لكون الجسد له دور
فيما يحصل لنا،لينتقل مالبرانش بعد ذلك لدحض
تصور الإستدلال بالمماثلة وبكوننا نستطيع معرفة نفوس الأخرين انطلاقا من ذواتنا
،ويؤكد على هذه المعرفة غالبا ما تكون خاطئة،لينتهي أخيرا باستنتاج مفاده ان المعرفة التي نكونها عن الاخرين
كثيرا ما تكون معرضة للخطأ إن نحن اكتفينا بالحكم عليهم انطلاقا من الاحساسات التي
كونها عن أنفسنا.
وما يضفي على نص
قيمة فلسفية هو قوة الحجج التي قدمها صاحب النص ،متجاوزا التصورات التي
تدافع على امكانية معرفة الغير انطلاقا من المماثلة ،لكن(حدود
الأطروحة) الا يمكن أن نقول أن صاحب النص غفل ما للجسد من أهمية في انجاح عملية
المعرفة،خصوصا وأن الجسد له ايضا دور مهم في معرفة البنية الداخلية للغير وبالتالي
سبر أغواره ؟الا يمكن نقول ايضا ان موقف مالبرانش ما هو الا استمرار للموقف
الديكارتي ولنزعة الأناوحدي المنغلقة على نفسها؟
لقد وجد هذا التصور العقلاني(تصور مالبرانش) الذي يشكك في قدرة
الأنا على معرفة الغير ما يؤيده في الفلسفة المعاصرة، إذ نجد الفيلسوف الفرنسي
غاستون برجي Gaston BERGER - يذهب من
خلال مؤلفه "من القريب إلى الشبيه، حضور الغير" إلى تأكيد استحالة -أو على الأقل- صعوبة
معرفة الغير بسبب عزلة كل ذات داخل عالمها الخاص، وفي هذا السياق يقول:
" إن روحي ملك لي فعلا، غير
أنني سجين داخلها، ولا يمكن للآخرين اختراق وعيي، مثلما لا يمكنني فتح أبوابه لهم،
حتى ولو تمنيت ذلك بكل صدق...فالتجربة الذاتية وحدها هي الوجود الحقيقي، فأنا أعيش
وحيدا محاطا بسور، وأشعر بالعزلة أكثر من شعوري بالوحدة، وعالمي السري سجن منيع،
وأكتشف في نفس الوقت، أن أبواب عالم الآخرين موصدة في وجهي، عالم منغلق بقدر
انغلاق عالمي أمامهم. إن ألم الغير، يكشف لي بمرارة انفصالنا الجذري عن بعضنا
البعض، انفصال لا يقبل الاختزال بتاتا".
لكن في الجهة
الرافضة للتشكيك في معرفة الغير
يقف الفيلسوف ماكس شيلر الذي يؤكد أن معرفة الغير ممكنة من خلال النظر إليه ككل ، أي كبنية يتداخل في
تشكيلها المظهر الخارجي و المعطيات الداخلية في نفس الوقت، فالغير لا ينبغي اختزاله في مظهره الخارجي/ الجسد (سارتر)، و لا بعده الداخلي / الذات
(ميرلوبونتي)، لأنه كل لا يقبل التجزيء ، فتعابير الجسد/ المظهر الخارجي، تعبر عن
الحالات النفسية و الأفكار و العواطف/ المعطيات الداخلية.. يقول :" إن أول ما
ندركه من الناس… ليس أجسادهم، و لا أفكارهم و نفوسهم.. بل ما ندركه منهم هو كل/
(بنية) لا يقبل التجزيء". و يقدم كمثال على ذلك الابتسامة ، فهي تعبير جسدي
خارجي ، لكنها تعبر عن إحساس داخلي بالفرح أو غيره. و نفس الشيء بالنسبة للدموع
فهي مظهر خارجي يخبرنا عن ما يجري داخل الذات…و هكذا فمعرفة الغير ممكنة شريطة النظر إليه نظرة كلية بنيوية لا اختزال
فيها.
وهكذا
نخلص إلى أن إشكالية معرفة
الغير من الإشكاليات الفلسفية المعاصرة الصعبة، التي أحدثت اختلافات كثيرة في
مواقف الفلاسفة،بين من يعتبرها افتراضية وتخمينة،لا يمكن أن تقوم على المماثلة
انطلاقا من الذات وأننا غالبا ما نخفق اذا
ما حاولنا ذلك(مالبرانش)،وبين من يعتبرها ممكنة شريطة النظر للغير كبنية غير قابلة
للتجزيء(شيلر)،وبين من يرى استحالة -أو على الأقل- صعوبة
معرفة الغير بسبب عزلة كل ذات داخل عالمها الخاص(بيرجي)،وفي رأي .......(الرأي
الشخصي).

