-->
U3F1ZWV6ZTE1MTMzMjgyNzU2X0FjdGl2YXRpb24xNzE0MzkyMTY1MTU=
recent
أخبار ساخنة

نصوص فلسفية لمقاربة اشكالية الرغبة

نصوص فلسفية لمقاربة اشكالية الرغبة

- "الاجتماع الإنساني ضروري و يعبر الحكماء عن هذا بقولهم الإنسان مدني بالطبع أي لا بد له من الاجتماع الذي هو المدينة في اصطلاحهم و هو معنى العمران و بيانه أن الله سبحانه خلق الإنسان و ركبه على صورة لا يصح حياتها و بقاؤها إلا بالغذاء و هداه إلى التماسه بفطرته و بما ركب فيه من القدرة على تحصيله إلا أن قدرة الواحد من البشر قاصرة عن تحصيل حاجته من ذلك الغذاء غير موفية له بمادة حياته منه و لو فرضنا منه أقل ما يمكن فرصة و هو قوت يوم من الحنطة مثلاً فلا يحصل إلا بعلاج كثير من الطحن والعجن و الطبخ، وكل واحد من هذه الأعمال الثلاثة يحتاج إلى مواعين و آلات لا تتم إلا بصناعات متعددة من حداد ونجار وفاخوري... يحتاج في تحصيله أيضاً حباً إلى أعمال أخرى أكثر من هذه من الزراعة والحصاد و الدرس الذي يخرج الحب من غلاف السنبل ويحتاج كل واحد من هذه آلات متعددة و صنائع كثيرة أكثر من الأولى بكثير و يستحيل أن تفي بذلك كله أو ببعضه قدرة الواحد فلا بد من اجتماع القدر الكثيرة من أبناء جنسه ليحصل القوت له و لهم فيحصل بالتعاون قدر الكفاية من الحاجة لأكثر منهم بإضعاف و كذلك يحتاج كل واحد منهم أيضاً في الدفاع عن نفسه إلى الاستعانة بأبناء جنسه لأن الله سبحانه لما ركب الطباع في الحيوانات كلها و قسم القدر بينها جعل حظوظ كثير من الحيوانات العجم من القدرة أكمل من حظ الإنسان فقدرة الفرس مثلاً أعظم بكثير من قدرة الإنسان وكذا قدرة الحمار و الثور و قدرة الأسد و الفيل أضعاف من قدرته. و لما كان العدوان طبيعياً في الحيوان جعل لكل واحد منها عضواً يختص بمدافعته ما يصل إليه من عادية غيره و جعل للإنسان عوضاً من ذلك كله الفكر واليد فاليد مهيئة للصنائع بخدمة الفكر والصنائع تحصل له الآلات التي تنوب له عن الجوارح المعدة في سائر الحيوانات للدفاع مثل الرماح التي تنوب عن القرون الناطحة و السيوف النائبة عن المخالب الجارحة و التراس النائبة عن البشرات الجاسية إلى غير ذلك... فالواحد من البشر لا تقاوم قدرته قدرة واحد من الحيوانات العجم سيما المفترسة فهو عاجز عن مدافعتها وحده بالجملة و لا تفي قدرته أيضاً باستعمال الآلات المعدة لها فلا بد في ذلك كله من التعاون عليه بأبناء جنسه و ما لم يكن هذا التعاون فلا يحصل له قوت ولا غذاءاً و لا تتم حياته لما ركبه الله تعالى عليه من الحاجة إلى الغذاء في حياته و لا يحصل له أيضاً دفاع عن نفسه لفقدان السلاح فيكون فريسة للحيوانات و يعاجله الهلاك عن مدى حياته و يبطل نوع البشر. و إذا كان التعاون حصل له القوت للغذاء و السلاح للمدافعة و تمت حكمة الله في بقائه و حفظ نوعه"
عبد الرحمان ابن خلدون، المقدمة.

كيف تولد الحاجة إلى الغذاء باقي الحاجات والرغبات الأخرى؟
 2-" إن الرغبة هي السبب، وليس الموضوع هو الذي يسبب الرغبة. إذا كانت الرغبة هي المعطى الأساس، وإذا كانت تعرف باعتبارها كذلك وليس انطلاقا من موضوعها، فإنها لا يمكن أن توجد إلا في شكل رغبة في…، إذ ليست هناك رغبة بدون موضوعها. وفي نهاية التحليل، فإن الرغبة تكون في الآخر، إنها من منظور هيجل رغبة الذات في اعتراف الآخر بها ورغبته فيها. كما أنها من منظور روني جيرار رغبة في "رغبة الآخر فينا"، إذ لا يمكنني الاستيلاء على كينونة الآخر إلا من خلال استيلائي على رغبته. إن الغير هو هدف الرغبة، إنه دائما الآخر، ولا تقوم الرغبة إلا على رغبة أخرى، إذ أنها ترمي إلى ما يشكل رغبة لدى الآخر. وفي نهاية المطاف، فإن جوهر رغبتي هو رغبة في أن يتم الاعتراف بالقيمة التي أمثلها وممارستها من قبل الآخر. وهكذا تعني الرغبة أنه يجب أن يكون الغير آخر بالنسبة إلي وأكون نفس الشيء بالنسبة إليه. وبعبارة أخرى، يجب أن يكون الآخر ذاتا حرة حتى يكون لكلامه معنى أمام عيناي وفي مسمعي وذهني؛ وإلا فإنه لا يمكنني أبدا أن أكون آخر بالنسبة إليه، حيث إنه إذا لم يكن حرا سأصير أنا ذاتي موضوعا. فإذا لم يكن الغير حرا، وإذا كان مسيطرا عليه، فإنني لن أتأكد أبدا من حريتي الخاصة." جاكي بايرو وآخرون، من أجل عيادة للعلاقة بالمعرفة

هل يمكن فصل الرغبة عن موضوعها (المرغوب فيه)؟
3- " لاشك في أن الرغبة والجسد يعتبران معطيين أساسيين لحقيقتنا الإنسانية. و نحن نعلم هذا من معرفة مباشرة دقيقة يتعذر دحضها. فالجسد هو هذا الحجم الواقعي والجلي المجزأ في المكان، هو هذه البنية المادية المرئية القابلة للمس ذات الترتيب المعقد والحدود التي أدركها في معطى مباشر من شعوري بوصفه ملكا لي، بوصفه "أناً". والجسد أيضا -من المنظور نفسه- هو هذا الموضوع الخارجي الذي يماهيني معه الآخرون، الذي به يعرفونني ويعترفون بي، والذي يكون في أغلب الأحيان الشيء الأول والأخير الذي يدركونه مني. أما الرغبة فهي هذه الحالة النفسية الديناميكية، هي هذه الحركة أو الحاثة الداخلية، هذه الكثافة الشعورية المشحونة بالصور والأشكال والاستيهامات و التمثلات والمشاريع. هي هذه الحيوية.. أوالرغبة -ببساطة- هي هذا الاتجاه الذي، لكونه ينحدر من مصدر معتم، فهو بالتأكيد يقودني، يحملني قهرا وينقلني أحيانا بجنون نحو الموضوع الذي أنتظر منه إشباعا ولذة إما بالتوسل إليه أو بإرغامه.
أن يكون هذان الشكلان القويان-الحقيقة المادية للجسم، والحقيقة السيكولوجية للرغبة- مرتبطين ومعقودا كلاهما مع الآخر، فذلك ما لا يمكننا إطلاقا أن نشك فيه انطلاقا من شعورنا الحدسي: فمن منا لم يحس بأنسجة جسده العضوية ومواكبها وبصواعق الرغبة المرعبة أو الملتوية وهي تجري في جسده و تتسجل في الفضاءات المتمايزة؟ ومن منا لم يكف في وقت ما عن إدراك جسده وأجساد الآخرين باعتبارها أقطابا أو مرامي صلبة متقدة أو انفعالية لرغبته؟ بالمقابل، فبالرغبة يتملص الجسد من تصرفاته الآلية ويجعلنا نتذكر بقوة. بالرغبة يتحين الجسد، يهتز، ويدرك نفسه باعتباره نبضا حيا، بها يجعل نفسه حاضرا ثقيلا رشيقا متوسلا أو آمرا. للجسد علله، وهذه العلل تسمى رغبة، كما أن للرغبة أدواتها وأعضاءها، رموزها وشعاراتها، وهي تسمى جسدا." روجي دادون، الرغبة والجسد

ما العلاقة بين الجسد والرغبة؟
4- "إن تطور الرغبة لدى الإنسان جعله يشعر بحاجة دائمة للتطور والاختراع واكتشاف الأشياء الجديدة.  كل رغبة أعظم تعني حاجة ملحة أعظم، وهذا الشيء يخلق قدرات عقلية وإدراكية  أشد وأكثر حماسا. إذا درسنا التطور الإنساني في الثقافة والتعليم والعلم والتكنولوجيا، فإننا سوف نصل إلى نتيجة واحدة: أن الرغبات المتطورة خلقت أيضا كل أفكارنا واختراعاتنا وابتكاراتنا.  كل هذه الأشياء عبارة عن "خدم" ليس إلا .. "أدوات تقنية" تطورت لتلبية الاحتياجات والرغبات. إن عملية "تطور الرغبة" هذه لا تحدث للإنسانية جمعاء خلال فترات متباعدة من التاريخ فحسب، بل تحدث أيضا في الحياة الخاصة لكل فرد منا.  هذه الرغبات تطفو على سطوح حياتنا واحدة تلو الأخرى في تشكيلات ومجموعات متنوعة وتقوم بقيادة مجرى حياتنا. إن المحرك الداخلي الذي يدفعنا إلى الأمام ويسبب العمليات التي تنتشر في المجتمع الإنساني هو"الرغبة". إن تطور رغباتنا هي عملية دائمة ومتواصلة.  هذه العملية تحديدا  هي التي تحدد شكل حاضرنا ومستقبلنا." 

هل تتطور الرغبات؟
5- "الإرادة – لا العقل – هي جوهر الطبيعة البشرية والوجود الإنساني، والعقل هو مجرد أداة في خدمة الإرادة... فالإرادة هي سر الوجود. إذا تحول الإنسان إلى ذات عارفة خالصة وتأمل نفسه من الباطن، فسوف يجد أن حقيقة جسمه وأفعاله وحركاته ووجوده الباطن بوجه عام يمكن تلخيصها في كلمة واحدة هي : الإرادة .الإرادة وحدها – هي ما يمكن أن يعطي للإنسان مفتاح وجوده الخاص، ويكشف ويبينّ له المغزى والتركيب الداخلي لوجوده، ولأفعاله، وحركاته. الإرادة هي محور أو مبدأ الوجود وهي المبدأ الذي يعبر عن الكون بأسره ويجسد الطبيعة . وبكلمة واحدة إن العالم إرادة...الإرادة هي المبدأ المسيطر على الحياة. فالنبات والحيوان والإنسان تكثر من أنواعها عن طريق واحد، هي إرادة الحياة تلك الإرادة العمياء، المندفعة وراء رغباتها .
إن الإرادة هي إرادة الحياة ، بمعنى أنها اندفاع أعمى لا عاقل نحو الحياة. والواقع أن كلمة " اندفاع " هي أنسب الكلمات لمعنى الإرادة الواسع عند شوبنهور، لأنها لا تشير إلى شيء محدد بالذات. إن الإرادة هي الفاعل والمحرك في كل الوظائف الجسمية واللاشعورية والباطنية ، وإن الوجود العضوي نفسه لاشيء بدون الإرادة. وفي كل القوى الطبيعية عمل أو نشاط الدافع أو الباعث يكون متحققاً بالإرادة. وفي كل الحالات حيث نجد أي حركات ذاتية أو قوى أصلية رئيسية، فينبغي إرجاعها إلى ماهيتها الباطنية كإرادة.
الإرادة إذن هي الطبيعة العميقة للأشياء، وهي تشكل الجوهر لكل شيء سواء جزئي أو كلي. وهي تبدو في كل قوة عمياء مندفعة في الطبيعة كما تظهر في كل فعل إنساني، ويرجع الاختلاف في هاتين الناحيتين إلى درجة تجلي الإرادة في كل منهما. فهو اختلاف في درجة الوضوح ، وليس اختلافاً في طبيعة الإرادة .
الاسمبريد إلكترونيرسالة