-->
U3F1ZWV6ZTE1MTMzMjgyNzU2X0FjdGl2YXRpb24xNzE0MzkyMTY1MTU=
recent
أخبار ساخنة

مفهوم الغير/دروس الفلسفة/السنة الثانية بكالوريا

مفهوم الغير/دروس الفلسفة/السنة الثانية بكالوريا

إعداد :الأستاذ يونس لقرع
مفهوم الغير
مدخل :
يحيل لفظا الغير والآخر في اللغة العربية على معنى الاختلاف و التمايز او المغايرة سواء كان المقصود بذلك الإنسان أو الأشياء . أما في اللغة الفرنسية فنجد تمييزا أكثر دقة بين الآخر ( Autre ) الذي يستخدم للدلالة على الاختلاف بين الاشياء أو الناس وبين مفهوم الغير ( Autrui  ) الذي تقتصر دلالته على الآخر البشري.
وعلى مستوى الدلالة الفلسفية نجد في معجم " لالاند " أن الغير هو " الآخر , منظورا إليه ليس بوصفها موضوعا وإنما بوصفه أنا آخر "  أما الفيلسوف سارتر فيعرفه بكونه " الآخر .الأنا الذي ليس أنا " .هكذا فهوم الغير يتأسس على المفارقة التي تجعل منه  مطابقا ومماثلا للأنا ( أنا آخر مثلي ) ومخالفا لها ( أنا مختلف عني ) في نفس الوقت.
فالأنا والغير يشتركان في مجموعة من المقومات ( الوعي . القيمة . الكرامة . الحرية ...) لكنهما يختلفان في الكثير من الخصائص النفسية و الاجتماعية و الطبقية و الثقافية .. انطلاقا من هذه المفارقة ( التماثل / الاختلاف ) تطرح إشكالية العلاقة بين الأنا و الغير من الناحية الوجودية و المعرفية والقيمية ( الاخلاقية ..).
وهذا ما سندرسه من خلال ثلاثة محاور ّ:
v   وجود الغير
v   معرفة الغير
v   العلاقة مع الغير

    المحور الأول : وجود الغير
الطرح الإشكالي:
إذا كان الأنا يتميز عن باقي الكائنات والأشياء بصفة الوعي، فأن وعيه هذا يتخذ عدة أشكال؛ كالوعي السيكولوجي والوعي المعرفي والوعي الأخلاقي. فمن الناحية السيكولوجية تصدر عن الأنا انفعالات مثل الحب والكراهية، كما تصدر عنه من الناحية المعرفية عمليات فكرية مختلفة مثل الشك والتخيل، ومن الناحية الأخلاقية يتميز بصفات مثل الشجاعة والكرم. ولذلك نتساءل؛ هل يمكن أن يمارس الأنا هذه الأفعال والعمليات دون حضور الغير كطرف فيها؟ فإذا لم يكن هناك وجود للغير في عالم الأنا، فمن سيحب هذا الأخير ومن سيكره؟ وهل يمكنه أن يفكر في قضايا سياسية واجتماعية وغيرها دون حضور الغير كطرف أساسي مولد لهذه القضايا؟ ثم كيف للأنا أن يعرف أنه شجاع أو كريم دون وجود الغير؟
 وعلى العموم هل وجود الغير ضروري لوجود الأنا أم أنه مجرد وجود جائز ومحتمل؟

معالجة الإشكالية :
1-     موقف ديكارت: وجود الغير غير ضروري لوجود الأنا ووعيه بذاته.:

يتأسس الموقف الديكارتي على فكرة مفادها أن ماهية الإنسان الجوهرية تتمثل في " الذات المفكرة " أو ما يعبر عنه ب الكوجيطو . اعتمد ديكارت على الشك من أجل بلوغ الحقيقة؛ وهكذا فقد شك في كل شيء إلا في حقيقة واحدة، بديهية ويقينية، وهي أنه يشك‘ أي يفكر، وبالتالي فهو يقينا يوجد كذات أو كجوهر مفكر. إن وجود الأنا كفكر وكوعي هو وجود يقيني لا يطاله الشك مادام أنه موضوع لإدراك حدسي مباشر، أما وجود الغير  فلا يعدو أن يكون وجودا جائزا محتملا أو افتراضيا يحتاج الى استدلال قياسي، وكل ما يحصل عن طريق الاستدلال فهو قابل للشك.
وهو ما يعني ان وعي الأنا بذاته لا يمر بالضرورة عبر الآخر أو لا يشترط وجود الغير . وهذا ما يشير إليه قول  ديكارت  التالي : " أنظر من النافذة فأشاهد بالمصادفة رجالا يسيرون في الشارع، فلا يفوتني أن أقول عند رؤيتهم إني أرى رجالا بعينهم، مع أني لا أرى من النافذة غير قبعات ومعاطف قد تكون غطاء لآلات صناعية تحركها لوالب. لكني أحكم بأنهم ناس: وإذن فأنا أدرك بمحض ما في ذهني من قوة الحكم ما كنت أحسب أني أراه بعيني"
هكذا فالنتيجة المنطقية لفلسفة الذات عند ديكارت هو وقوع الأنا في نوع من العزلة والوحدانية التي تجعله ينكفئ على ذاته، ويعيها، ويثبت وجودها إثباتا حدسيا، يقينيا ومباشرا دون أية حاجة إلى وجود الغير.

فوجود الغير في فلسفة ديكارت، هو وجود غير ضروري بالنسبة لوجود الأنا ووعيه بذاته، إنه مجرد وجود افتراضي قابل للشك، محتمل وجائز.
2-     موقف هيجل: إثبات وجود الأنا لا يكون إلا من خلال الصراع مع الغير:
 ضد الموقف الديكارتي شيد هيجل فلسفة للوعي يحتل فيها مفهوم الغير موقعا مركزيا. فكل شيء بالنسبة لهيجل يحمل نقيضه في ذاته كشرط لتحقق وجوده واستمراريته ( المنهج الجدلي ). هكذا فوجود الأنا لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال وجود نقيضه أي الأنا الآخر أو الغير. فلا يمكن للوعي أن يعرف نفسه إلا من خلال انفتاحه على كل ماهو آخر بالنسبة إليه؛ أي أن الوعي يبحث عن وساطة بينه وبين معرفته لنفسه، وهذا ما ينعته هيجل بمفهوم التوسط .إن الوعي الآخر (الغير) هو الوحيد القادر على القيام بدور التوسط بين الأنا ومعرفته بذاته؛ ذلك أن الأنا يسعى إلى الاعتراف به من طرف الآخر. غير أن هذا الاعتراف يتم من خلال عملية الصراع التي تقوم بين الأنا والغير، والتي تنتهي بإخضاع أحد الوعيين للآخر وإجباره على الاعتراف له بوجوده. وبذلك تنشأ العلاقة الإنسانية الأولى، علاقة السيد بالعبد.( جدلية العبد والسيد)
وهكذا فليس للأنا وجودا حقيقيا إلا من خلال علاقته بالأنا الآخر (الغير) وليس قبلها. فوجود الغير شرط ضروري لوجود الأنا؛ مادام أن كلا من السيد والعبد يتوقف وجود أحدهما على وجود الآخر.

    المحور الثاني : معرفة الغير
الطرح الإشكالي:
حينما نتحدث عن معرفة الغير، فإن الأمر لا يتعلق بمعرفته كجسم أو كعضوية بيولوجية بل معرفته كروح وكذات تحمل أفكارا ومشاعرا. وإذا كانت عملية المعرفة تفترض ذاتا عارفة وموضوعا للمعرفة ومنهجا تعتمده الذات لتحقيق معرفة بالموضوع، فإن الصعوبات المطروحة هنا هو أننا إزاء ذات تريد أن تعرف ذاتا أخرى؛ فموضوع المعرفة الذي هو الغير هو أيضا ذات واعية وتمتلك جهازا سيكولوجيا مثلها مثل الأنا، أي الذات الأولى التي تريد أن تعرفها. هكذا فالمعرفة المتعلقة بالغير كذات أو أنا آخر، تختلف ولا شك عن المعرفة المتعلقة بالموضوعات الطبيعية أو الأشياء المادية. فإذا كانت معرفة هذه الأخيرة ممكنة إلى حد كبير حينما تتوفر الوسائل العلمية، فهل معرفة الغير ممكنة ام غير ممكنة؟ وما الذي يحول بيني وبين معرفته؟ واذا كانت ممكنة فما هي السبل الكفيلة بتحققها ؟
معالجة الإشكالية :
         I.            عدم امكانية معرفة الغير :
1-     موقف مالبرانش : معرفة الغير هي مجرد افتراضات وتخمينات :
  يرى مالبرانش بأن معرفة نفوس الاخرين (الغير)هي معرفة قائمة على الخمين و الافتراض ومن تم فهي ليست معرفة يقينية و لا دقيقة  فالمعرفة  المتعلقة بالغير هي معرفة خاطئة ادا كان مصدر الحكم فيها هي الانفعالات  و العواطف الذاتية . فرفض مالبرانش لإمكانية معرفة الغير  بواسطة الاستدلال  بالمماثلة او بواسطة الوعي نتيجة عن كون الانا لا يمكنه ان يعرف الغير من خلال ذاته و احساسه و افكاره ، وان كل معرفة تبنى على دلك هي معرفة ظنية و افتراضية  ليس الا ، فقد تعرف الانا عن الغير ميولاته ، و ما يرغب فيه معرفة دقيقة و يقينية ، و لاكن حينما يتعلق الامر بالمعرفة المتعلقة بالانفعالات (الخوف،الخجل) و بكل ما يتعلق بالجوانب النفسية فإنه لا سبيل للأنا لمعرفتها.
      II.            امكانية معرفة الغير :
1-     موقف ماكس شيلر : معرفة الغير ممكنة باعتباره كلا واحدا لا يقبل الانقسام :
 يؤكد أن معرفة الغير ممكنة من خلال النظر إليه ككل ، أي كبنية يتداخل في تشكيلها المظهر الخارجي و المعطيات الداخلية في نفس الوقت، فالغير لا ينبغي اختزاله في مظهره الخارجي/ الجسد (سارتر)، و لا بعده الداخلي / الذات (ميرلوبونتي)، لأنه كل لا يقبل التجزيء ، فتعابير الجسد/ المظهر الخارجي، تعبر عن الحالات النفسية و الأفكار و العواطف/ المعطيات الداخلية.. يقول :" إن أول ما ندركه من الناس… ليس أجسادهم، و لا أفكارهم و نفوسهم.. بل ما ندركه منهم هو كل/ (بنية) لا يقبل التجزيء". و يقدم كمثال على ذلك الابتسامة ، فهي تعبير جسدي خارجي ، لكنها تعبر عن إحساس داخلي بالفرح أو غيره. و نفس الشيء بالنسبة للدموع فهي مظهر خارجي يخبرنا عن ما يجري داخل الذات…و هكذا فمعرفة الغير ممكنة شريطة النظر إليه نظرة كلية بنيوية لا اختزال فيها

  المحور الثالث : العلاقة مع الغير  
الطرح الإشكالي :
إن العلاقة بين الأنا و الغير لا تنحصر في بعدها الوجودي أو المعرفي , بل تشمل أيضا المستوى الأخلاقي .مما يفسر خضور مسألة القيم في تحديد طبيعة العلاقة بينهما. لذلك نتساءل ما طبيعة العلاقة بين الانا والغير ؟ هل هي علاقة قائمة على الصداقة ام الغرابة  ام الصراع ؟
معالجة الإشكالية :
1-     الصداقة كوجه من وجوه العلاقة مع الغير:
موقف أرسطو :
عرف أرسطو الصداقة باعتبارها فضيلة أخلاقية، كما أنها تلك الرابطة التي تجمع بين الناس داخل المدينة، والتي إن سادت على الوجه الأكمل لم نكن في حاجة إلى قوانين العدالة أصلا. كما يرى أرسطو أن الصداقة ضرورية في الحياة سواء تعلق الأمر بالأغنياء أو الفقراء؛ إذ يحتاج الأغنياء إلى الأصدقاء لكي ينالوا المدح والثناء من جراء ما يسدونه لهم من خيرات، كما يحتاج الفقراء أيضا إلى الصداقة، إذ تعتبر الملاذ الذي يلتجئون إليه من أجل التخفيف من نوائب الدهر.
ويحدد أرسطو ثلاثة أسس تنبني عليها الصداقة؛ المنفعة والمتعة والفضيلة الأخلاقية. هكذا نكون أمام ثلاثة أنواع من الصداقة؛ صداقة المنفعة وصداقة المتعة وصداقة الفضيلة. فالصداقتان الأوليتان ترتكزان على المنفعة والمتعة، ولذلك فهما متغيرتان وزائلتان. بينما الصداقة الحقيقية هي صداقة الفضيلة التي تنبني على حب الخير لذاته أولا، وللأصدقاء ثانيا.
2-     الصراع كوجه من وجوه العلاقة مع الغير
يرى كوجيف  أن  العلاقة بين ألانا و الغير هي علاقة صراع، مادام أن العالم لا يقوم فقط على وجود بشري متساوي القيمة بل على وجود متفاضل فيه السيد و فيه العبد، إنها نزعة تحرك البشر جميعا لنزع الاعتراف و الوصول إلى مرحلة الوعي بالذات و التي لا يتوصل إليها إلا بالصراع مع الغير ، والذي لا تكون نهايته إلا بانهزام احد الطرفين المتصارعين ، ليخلق عالم فيه السيد و فيه العبد ، فيه القوي وفيه الضعيف ، فيه وجود يتمتع بالاستقلال الذاتي و وجود يرزح تحت الهزيمة و الخضوع  .
 انه عالم الصراع الأبدي الذي لا ينتهي ، والذي يفسر كل أشكال الحروب و الرغبة في السيطرة ،و البحث عن إخضاع البشر ، إنه  التفسير الهيجلي للتاريخ الذي استوحاه كوجيف  و أعاد صياغته.
الاسمبريد إلكترونيرسالة