درس الشخص
من إعداد: ألأستاذ يونس لقرع
من إعداد: ألأستاذ يونس لقرع
مفهوم الشخص
تمهيد اشكالي
:
يحيل مفهوم الشخص الى مجموع المحددات الماهوية و الثابتة و المشتركة بين الجميع و التي لا تتبدل ولا تتغير من كائن الى آخر بتبدل الازمنة و الامكنة . على خلاف مفهومي الفرد و الشخصية فهذه الاخيرة هي ما يميز الشخص من حيث ميولاته و انفعالاته اي الصفات النفسية التي تميز هذه الانا عن الآخر . اما مفهوم الفرد فيحيل الى الشخص كمعطى بيولوجي خالص أي كوحدة عضوية . بينما مفهوم الشخص هو مفهوم كوني يدل على ما هو مشترك بين كل الكائنات العاقلة .
ومن ابرز هذه المحددات الماهوية للشخص نجد هويته أي وعيه بذاته وتطابقه مع نفسه وما يجعل منه دائما هو هو نفسه باختلاف الازمنة و الامكنة . ( هوية الشخص )
ثم ان هذه الوعي بالذات و بالعالم الخارجي هو ما يجعل الشخص هو الكائن الوحيد الذي يمتلك القدرة على خلق قواعد تمكنه من العيش على نحو افضل ويتميز عن الموضوعات الاخرى ( الأشياء ) من هنا البعد الاخلاقي و الحقوقي سمات جوهرية لدى الشخص وتكسبه قيمة ( الشخص بوصفه قيمة )
كما ان انفراد الشخص بصفة الوعي هو ما يجعله قادر على تجاوز الحتميات و الضرورات التي يخضع لها وهذا ما يسمح بتوسيع مجال الحرية وتقليص مجال الضرورة . ( الشخص بين الضرورة و الحرية )
انطلاقا من هذه الدلالة نجد ان مفهوم الشخص يثير العديد من المفارقات مما يجعلنا نتساءل :
ما أساس هوية الشخص ؟
كيف تتحدد قيمة الشخص ؟
هل الشخص ذات حرة ام خاضعة لحتميات وضرورات ؟
v
المحور الأول : الشخص و الهوية
ü
الطرح الاشكالي للمحور : تختلف مواقف الانسان حسب المناسبات و الظروف وتتبدل احوال النفس من رغبات وعواطف وتتغير صورة الانسان من الناحية الجسمية عبر الزمان . الا انه رغم هذه التحولات يتعرف الشخص على ذاته ويستطيع ان يشير الى نفسه بضمير الانا .
امام هذه المفارقة نتساءل : ما الاساس الذي تقوم عليه هوية الشخص؟
هل على اساس الوحدة و التطابق ام على اساس الاختلاف و التنوع ؟
واذا كانت على اساس الوحدة . فما هو هذا العنصر الثابت الذي يبقى دائما هو هو ؟ هل هو الذاكرة و الشعور ام الفكر ؟
معالجة الاشكالية
التصور الماهوي لهوية الشخص : هوية الشخص ثابتة
n
موقف جون لوك : الشعور و الذاكرة هما اساس هوية الشخص
يرى “جون لوك” أن مايجعل الشخص ” هو نفسه” عبر أمكنة وأزمنة مختلفة، هو ذلك الوعي الحسي أو المعرفة التي تصاحب مختلف أفعاله وحالاته الشعورية من شم وتذوق وسمع وإحساس وإرادة، تضاف إليها الذاكرة التي تربط الخبرات الشعورية الماضية بالخبرة الحالية، مما يعطي لهذا الوعي استمرارية في الزمان .
n
موقف ديكارت : الفكر اساس هوية الشخص
يتبنى مؤسس الفلسفة الحديثة ديكارت أطروحة ترى أن التفكير هو أساس هوية الشخص. ذلك أنه يستهل موقفه بالتساؤل عن ماهية الذات: "من أنا..؟"، ليجيب مؤكدا كون الذات شيئا مفكرا، أي شيئا يمارس جملة من العمليات الذهنية كالشك والفهم والتصور. ومن ثم يعتبر ديكارت هذه العمليات خصائص مميزة للإنسان إذن فأساس هوية الشخص هو التفكير الذي يعتبر مناسبة لحضور الذات أمام نفسها وإدراكها إدراكا مباشرا لكل ما يصدر عنها من أفعال والتي تبقى رغم تعددها واحدة وثابتة.
نقد التصور الماهوي :
n
الموقف السوسيولوجي : لعالم الاجتماع اميل دوركهايم
تتحدد هوية الشخص حسب دوركهايم بتكوينها الاجتماعي وتنشيئتها داخل مجتمع ما . انطلاقا من التأثير الذي تحدثه الظواهر الاجتماعية على الافراد . فالفرد يستمد عقائده و انماط سلوكه المختلفة من الجماعة التي ينتمي اليها عن طريق التنشئة الاجتماعية مما يضفي على هوية الشخص طابع الاختلاف و التغير
خلاصة للمحور الاول : يتبين من خلال ما سبق ان التفكير الفلسفي في قضية هوية الشخص يثير مفارقة الوحدة و التنوع هذا ما ادى الى تعدد مواقف الفلاسفة و العلماء اذ نجد تصور ماهوي يرى ان هناك عنصر ثابت لا يتغير رغم تبدل احوال الشخص و هذا العنصر الثابت هو الذاكرة و الشعور مع جون لوك و هو الفكر مع ديكارت .. اما التصور الثاني فهو نقد للتصور الماهوي مع عالم الاجتماع دوركهايم الذي يرى ان هوية الشخص تتحدد انطلاقا من التنشئة الاجتماعية وهي خاضعة للتنوع و التبدل بتغير الظروف الاجتماعية
v
المحور الثاني : الشخص بوصفه قيمة :
ü
الطرح الاشكالي : ان الشخص باعتباره ذات واعية قادرة من الناحية العملية على خلق قواعد تمكنها من العيش على نحو افضل مما يضفي على الشخص بعد اخلاقي وحقوقي ويتميز عن باقي الموضوعات الخارجية وهذا التمايز هو ما يجعل من الشخص ذو قيمة عليا . لكن رغم وضوح هذا التمايز عادة ما نجد الشخص يعيش في مرتبة متساوية مع باقي الاشياء
امام هذه المفارقة نتساءل : ما الذي يؤسس البعد الاخلاقي للشخص ؟
من اين يستمد الشخص قيمته ؟ هل من ذاته ام من تفاعله مع الآخرين؟
معالجة الاشكالية :
n
موقف كانط : الشخص غاية في ذاته وليس مجرد وسيلة
يرى ايمانويل كانط ان الشخص هو الكائن الوحيد الذي يستحق ان ينظر اليه على الدوام كغاية في ذاته وليس كوسيلة لقضاء غايات أخرى لانه ذات لعقل عملي اخلاقي وهذا ما يكسبه قيمة مطلقة ( في ذاته ) على خلاف الاشياء باعتبارها موضوعات خاضعة لنظام الطبيعة و محرومة من العقل مما يجعل قيمتها نسبية و مشروطة بالنتائج المتوخاة منها .
n
موقف جورج غوسدورف : قيمة الشخص لا تتحقق إلا من خلال مشاركته للغير. بخلاف فلسفة كانط التي تناولت الشخص الأخلاقي من منظور نظري وعقلي مجرد، نجد أن غوسدورف يتناوله من منظور عملي واقعي. هكذا فقيمة الشخص الأخلاقي لا تتحقق إلا من خلال مشاركته للغير وأشكال انفتاحه عليه. فمنذ البدايات الأولى للوجود البشري والإنسان يعيش مع الآخرين ضمن أشكال من التعايش والتضامن التي سمحت للفكر الأخلاقي وغيره أن يتشكل على أرض الواقع. من هنا فالكمال الأخلاقي الشخصي لا يتحقق في مجال الوجود الفردي، بل في مجال الوجود الاجتماعي وفي أشكال التعايش مع
خلاصة للمحور الثاني :
هكذا يتبين ان البعد الاخلاقي يمثل احد المقومات الاساسية لمفهوم الشخص في تميزه عن باقي الأشياء الا ان التفكير في اساس هذه البعد الاخلاقي يثير تنوع التصورات اذ نجد الموقف الحديث مع كانط الذي يؤسس قيمة الشخص الاخلاقية على المستوى الذاتي بينما الموقف المعاصر مع غوسدروف يؤسس لقيمة الشخص على البعد التفاعلي الاجتماعي
v
المحور الثالث : الشخص بين الضرورة و الحرية
ü
الطرح الاشكالي : اذا كان الشخص ذات واعية وعاقلة فانها ايضا ذات حرة و مستقلة قادرة على الاختيار بين القيام بالفعل او الامتناع عن القيام به وتتصرف في غياب موانع خارجية او داخلية . لكن الواقع اليومي للشخص يحدثنا عن خضوعه للعديد من الحتميات و الضرورات ( الطبيعية . الاجتماعية . النفسية ...) امام هذه المفارقة نتساءل :
هل الشخص ذات حرة ام ذات خاضعة للحتمية و الضرورة ؟
معالجة الاشكالية :
n
موقف العلوم الانسانية : الشخص خاضع لحتميات مختلفة.لقد اعتبر علم النفس الفرويدي بأن نفسية الإنسان تتحدد بشكل حاسم في مرحلة الطفولة، كما أن سلوكاته تقف وراءها نزعات لاشعورية توجه حياته دون أن يشعر. هكذا يحل اللاوعي محل الوعي، ويبدو الشخص خاضعا لنزعاته التدميرية العدوانية التي يختزنها "الهو".ومن جهة أخرى بينت الدراسات الاجتماعية أن الكثير من أحاسيس الإنسان وأفكاره وسلوكاته مفروضة عليه من خلال التنشئة الاجتماعية. فالشخص لا يعدو أن يكون نتاجا لتفاعل بنيات وقواعد مؤسسية مختلفة تمارس عليه الإكراه من مختلف الزوايا؛ سواء تعلق الأمر بالبنيات النفسية أوالاجتماعية . من هنا فقد انتهت العلوم الإنسانية إلى التأكيد على أن وعي الشخص بذاته يشوبه الوهم والغرور، وتحدثت عن موته واختفائه وسط العديد من المحددات التي تشرطه وتحاصره.
n
موقف الفلسفة الوجودية مع سارتر : "الانسان ليس هو ما هو وانما هو ما ليس هو "
يرى سارتر أن الإنسان كشخص هو مشروع مستقبلي، يعمل على تجاوز ذاته ووضعيته وواقعه باستمرار من خلال اختياره لأفعاله بكل إرادة وحرية ومسؤولية، ومن خلال انفتاحه على الآخرين. ولتأكيد ذلك ينطلق سارتر من فكرة أساسية في فلسفته وهي "كون الوجود سابق على الماهية"، أي أن الإنسان يوجد أولا ثم يصنع ماهيته فيما بعد.إنه الكائن الحر بامتياز، فهو الذي يمنح لأوضاعه معنى خاصا انطلاقا من ذاته؛ فليس هناك سوى الذات كمصدر مطلق لإعطاء معنى للعالم.إن الشخص هو دائما كائن في المستقبل، تتحدد وضعيته الحالية تبعا لما ينوي فعله في المستقبل.فكل منعطف في الحياة هو اختيار يستلزم اختيارات أخرى، وكل هذه الاختيارات نابعة من الإنسان باعتباره ذاتا ووعيا وحرية
خلاصة
المحور الثالث : من خلال ما سبق يتضح ان التفكير فلسفية في قضية الشخص بين الضرورة
و الحرية افرزت العديد من التصورات اذ نجد من ينتصر لفكرة خضوع الانسان لحتميات
اجتماعية ( علم الاجتماع ) او حتميات نفسية ( على النفس ) .. وبالمقابل نجد
الفلسفة المعاصرة خاصة مع وجودية سارتر اعادت الاعتبار لمفهوم الانسان باعتباره
ذات حرة .
